full screen background image

التأمل السابع عشر مريم العذراء حواء الجديدة

205

الأخت مارتينا

منذُ القرون المسيحية الأولى عكف الآباء والوعّاظ على المقارنة بين حواء ومريم، بغية بيان تأثير كلٍّ منهما على الجنس البشري، إذ أتتهُ الأولى باللعنة والتعاسة والثانية بالنعمة والخلاص. كلتاهُما خرجتا من يد الخالق ناصعتي النقاء والطُهرِ والبراءة، غير أن حواء بانقيادها لغواية الكبرياء والشهوة والطمع، شكت في حب الله وصدقهِ، وعصت أوامرهِ فهلكت وسببت هلاك ذُريتِّها. أما مريم فالتزمت جانب التواضع والزُهد، والطهر والخضوع لله، فجاءت العالم بالخلاص، وبلغت مكانة مميزة من النُبل والقداسة.

ويقول القديس إيريناوس:  “كما أنّ يد الله خلقت آدم من أرض عذراء، كذلك لمّا جمع كلمة الله الإنسان في شخصه، ولد من مريم العذراء. وهكذا إلى جانب حوّاء، ولكن على خلافها، قامت مريم بدور في عمل الجمع هذا الذي هو عمل خلاص الإنسان، لمّا حبلت بالمسيح. حوّاء أغواها الشرّ وعصت الله. أمّا مريم فاستسلمت لطاعة الله وصارت المحامية عن حوّاء العذراء. إنّ حوّاء، وهي بعد عذراء، كانت سبب الموت لها وللجنس البشريّ بأسره. أمّا مريم العذراء فبطاعتها صارت لها وللجنس البشريّ بأسره سبب خلاص. من مريم إلى حوّاء هناك إعادة للمسيرة عينها، إذ ما من سبيل لحلّ ما تمّ عقده إلّا بالرجوع باتّجاه معاكس لفكّ الحبال التي تمّ حبكها. لذلك يبدأ لوقا نسب المسيح ابتداءً من الربّ ويعود إلى آدم (لو 3/ 22-38)، مظهرًا أنّ الحركة الحقيقيّة للولادة الجديدة لا تسير من الأجداد إليه بل منه إلى الأجداد، وفق الولادة الجديدة في إنجيل الحياة. وبذلك تُصبح مريم العذراء “حواء الجديدة من حيثُ إنها أصبحت أم آدم الجديد أعني بهِ الرب يسوع المسيح. وإذا كان الموت قد دخل إلى العالم وسرى فيهِ بحواء الأم الأولى بسبب عصيانها أمرّ الله، فمريم “حواء الجديدة” ستسمع وتنقاد لصوت الله بكل محبة واستسلام واتضاع وطواعية، لتصل بحديثها مع جبرائيل بأن تقول: “أنا خادمة وأمةٌ للرب، فليكن لي بحسب قولك”. والذي يعترف بخدمتهِ الله على حسب ما عمِلت مريم، فهذا شرفٌ كبيرٌ لهُ، يرافقه ويرفع من قدرهِ.

قال ترتليانوس: “حواء وثقت بالحية، ومريم وثقت بجبرائيل. والشر الذي سببتهُ حواء بتصديقها إبليس، أبطلتهُ مريم بإيمانها”. حواء طمعت في مساواة الله، فقضت على ذاتها وذريتها. وأعلنت مريم أنها أمة الربّ، فجاءت بالخلاص للبشر. وعلمتنا أن إخضاع إرادتنا لإرادة الآب، ليس حطاً من قيمتها بل هو سمو بها إلى أرفع مقامٍ، وتأهيليها لما صُنعت من أجلهِ. مريم أكثر من حواء، تستأهل لقب “أم الأحياء”، فهي قد حملت وولدت من هو الحياة، وواهب الحياة. وكيما تستعيد حواء البركة الأولى، كان لابد من إمرأة تُكرس للربّ بتوليتها وترتضي فقر الإيمان الكامل، تزهد لا في متاع الدنيا فحسب، بل في الحياة نفسها. لذا كلام مريم جعلها أمةً تسمو على كل ملوك الأرض، لأنها أصبحت أم الملك الأعظم. فبيسوع تعود البشرية إلى منشئها الأول ومنهُ تنطلق مُجدداً، نحو مرحلة البلوغ.

لنصلِّ: يا مريم الطاهرة، أمنا ومعزيتنا العزيزة، نلتجئ إلى قلبكِ المُحب بكل الثقة التي نقدر عليه، ستكونين دوماً موضوع حبنا وتبجيلينا فمنكِ يا موزعة النِعم السماوية، سنطلب دائماً السلام في مِحَنِنا، والنور في شكوكنا، والحماية في الأخطار، المعونة في حاجاتنا. لذلك كوني ملجئنا، قوتنا، تعزيتنا، يا مريم المعزية. في ساعة موتنا تكرمي وأقبلي دقات قلبنا الأخيرة، واستمدي لنا مكاناً في ذلك الوطن السماوي. آمين.