full screen background image

تأمل اليوم الخامس عشر من الشهر المريمي

60

مريم العذراء أم النعمة الإلهية

إعداد الأخت مارتينا عبد المسيح

مريم العذراء من حيثُ هي أم يسوع المسيح تنال كل ما تطلب، ومن حيثُ هي أم البشر تعطيهم ما يطلبون. ومن حسن حظنا أن مريم العذراء هي أم النعمة الإلهية توزع علينا منها نحنُ أولادها. والروح القدس الذي هو مصدر أم النعمة الإلهية قد اتخذ مريم عروساً لهُ، إذ كوّن في حشاها جسد يسوع المسيح، لذلك اقتضى أن يملأها من نعمهِ أكثر من أي ملاك أو قدّيس. لا بل إن ما أعطاهُ من النعمة لكل البشر لا يوازي ما أعطاهُ لمريم العذراء وحدها وذلك لتليق أن تكون عروساً لهُ وأماً ليسوع وابنة للآب الأزلي. كيف لا تكونين يا أمي العذراء، أم النعمة الإلهية والمولود منك اتّحد نوعاً ما بكل إنسان وجِد في هذا العالم؟ فأنتِ القادرة على أن تلدي وتُربي، وبهذا تحيين أمومتكِ مع ابن الله ومعنا نحنُ المولودين بالنعمة ومن فيض رحمتهِ.

النعمة إنما هي عطية مجانية لا تُعطى مقابل أي شيء، النعمة إذن هي عطية مجانية من الله بلا مقابل ولا يشترط حتى أن تكون عن استحقاق، فإذا كانت النعمة هي إشراك الإنسان من قبل الثالوث الأقدس في الحياة الإلهية، فإن هذا الإشراك العجيب في الطبيعة الإلهية لا يتمّ إلا عن طريق استحقاقات المسيح وعمل الروح القدس. فبعمل الروح القدس تجسد ابن الله في أحشاء مريم العذراء، وبعمله يصير الإنسان بسر المعمودية المقدس إبناً لله بالتبنّي وأخاً للمسيح وعضواً في جسده السري. فإذا كانت مريم كما ناداها الملاك ممتلئة نعمة، فالله هو مصدر هذهِ النعمة من البداية حتى الامتلاء.

“طوبى لأنقياء القلوب، لأنهم يشاهدون الله” (متى5: 8). بهذهِ الكلمات أكّد يسوع في شريعة العهد الجديد إمكانية رؤية الله، فعندما نفكر كيف كنتِ تنظرين كل يوم وتسترسلين في تأمل وجه الطفل الإلهي، نؤكد مع الكنيسة أنكِ قد استحقيتِ هذهِ النعمة لأنكِ نقية وطاهرة وعفيفة بامتياز، وفيكِ تحققت تلك الطوبى التي أعلنها يسوع بشكل يفوق العادة، أيتها النقية الطاهرة، أيتها الأم العفيفة وغير المدنّسة. يقول القديس إغريغيريوس: ” أم الله اتّحدت عقليا بالله بدوام الصلاة والتأمل وفتحت طريقا نحو السماء جديدًا. سَمَت به فوق المبادئ والظنون الذي هو الصمت العقلي… الصمت القلبي، وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكّرة به في قلبها. اختارت النعمة مريم العذراء دون سواها من بين كل الأجيال لأنها بالحقيقة قد برهنت على رزانتها في كل الأمور، ولم توجد مثلها إمرأة أو عذراء في كل الأجيال، جاء الكلمة الإلهي من الأعالي، وفي أحشائك المقدسة أعيد تكوين آدم (الخليقة الجديدة في المسيح).

مريم وحدها وجدت الحظوة عند الله (لوقا1: 30) بدون عونٍ من أية خليقة أُخرى. أما الذين جاءوا بعدها فلم يجدوا النعمة أمام الله إلا بواسطتها. كانت مريم ممتلئة نعمة عندما حيّاها جبرائيل رئيس الملائكة (لوقا1: 28) وفاضت فيها نعمةُ الروح القدس، لمريم وحدها سلَّم الله “مفاتيح خزانة” المحبة الإلهية فخوّلها سلطة الدخول في الطرق الأكثر سرية في معارج الكمال، لتقود الآخرين فيها. يا مريم جديرة بكل وقار كيف لا نعجب من ولادتكِ إلهاً متأنساً فأنكِ منزهة عن كل عيب، لم تعرفي رجُلاً وولدتِ بالجسد من غير أبٍ، بالمولود منكِ تعلمنا أن نمجّد في العالم ثالوثاً ذا فعلٍ واحد غير مختلطٍ، لذلك نهتفُ إليكِ قائلين: “السلام عليكِ يا ممتلئة نعمة”.

لنصلِّ: أيّتها العذراءُ مريم، يا أمّ المحبّةِ الإلهيّة، إليكِ نوكِلُ أمّهاتِنا، آملين في أن تكوني لهنّ الأمُّ والمعلّمة. أعطيهنّ حبَّ الحياة وحراسَتَها وخدمتَها. اشفعي بهنّ لكي يَعِشنَ في حضرة يسوع وَلتكنْ أمومتُهنّ الروحيّةُ والجسديّةُ، إنعكاساً حقيقيّاً لأمومَتِك أنتِ. وساعدي، يا أمَّنا، من اختارَ عيشَ الأمومة الروحيّة أن يفهم أَنّها صمتٌ في الجسد، وإصغاءٌ في القلب، وانفتاحٌ كامل لعمل الروح القدس. يا عذراءُ، علّمي أمّهاتِنا أنّ الحبَ في العطاءِ حياة، والتضحيةَ في الخدمةِ فرح، والألم في سبيلِ الآخر ولادة، والأمومةَ نعمة ما بعدها نعمة.