full screen background image

تأمل اليوم الثاني عشر من الشهر المريمي

202

نشيد مريم تعظّمُ نفسي الرب

إعداد الأخت مارتينا

عندما يكشف الله لإنسانٍ سراً… يُدخِلهُ إلى أعماقهِ. وفي البشارة تلقّت مريم عطية الآب، التي استحوذت على كل كيانها. حملت عطية الله وتقبّلتها في إيمانها وغمرتها برقة أُمومتها. وفي الآن عينهِ، حملت هذهِ العطية مريم وغمرتها بحبٍّ وحولت مسيرتها وباتت لها مصدر حياةٍ. البشارة تحققت جوهرياً، في قلب مريم المضطرم وما صنع عظمتها هو تلك الشعلة الملتهبة المتصاعدة من صميم قلبها نحو الآب. أمومتها كانت فعل حبٍّ أجابت بهِ على حب الله. فالمحبة حملتها على هجر كل شيء والتخلي عن خلوة التأمل العذبة، من أجل الانكباب على الخدمة الوضعية، وكانت تدفعها أيضاً رغبة في التبشير بأن زمن الخلاص قد حل، ورغبة إلى إدخال الفرح إلى أسرة قريبتها العجوز، فمضت مسرعة ولها من الرغبة في الخدمة جناحان، وفرح إسعاد آخرين ينفخ شراع قلبها.

كانت مريم قد التزمت الصمت في الناصرة. أما وقد أنبأ الروح القدس قريبتها بسرِها فقد أنشدت فرحها، إذ أن الله قد كرّس وطهّر أعظم الأنبياء وسابق ابنها، لمجرد سماعهِ صوتها. حينئذٍ تفجّرت كل المشاعر والأفكار التي كانت تختلج صدرها منذُ بشارتها، فبعد اللّقاء المدهش بين مريم وأليصابات أنشدت مريم نشيد ابتهاجها المسيحاني، وهو صدى لهتاف أليصابات المَعادي، وتدفقت في نشيد شكران وتسبيح وعبادة فقالت: “تعظّم نفسي الرب وتبتهجُ روحي بالله مُخلصي…….”، عندما ترتّل مريم صلاة التمجيد، فهي تحدّد أولاً وأخيراً أشد الفقراء عوزاً، ترتيل لقوة الله العظيمة ورحمته، لمن “أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتواضعين”، ومن “أشبع الجياع خيراتٍ وصرف الأغنياء فارغين”. في نشيدها تعلن العذراء يسوع نوراً للأمم ومخلّصاً للعالم. كشف الله للخادمة المتواضعة سر الكون العظيم الذي يبقى منحجباً للفهماء والحكماء. نسجت العذراء مريم نشديها كلّه من ذكريات الكتاب المقدّس. وكما رأينا في روايتَيّ البشارة والزيارة، نستطيع كذلك أن نرى هنا استخدامًا مستمرًا لصور العهد القديم وألفاظه. تبدو مريم في هذا النشيد ابنة صهيون وختام رجاء إسرائيل المسيحاني، وكأنّها تعيش في صلة قوِّية بتاريخ شعبها، مشبعة من الكتاب المقدّس، فتعبّر عن ابتهاجها الشَّخصيّ بتعابير المزامير والأنبياء. فالآيات الأولى الواردة بصيغة المتكلم تذكّرنا بالنصوص المتعلّقة بإسرائيل كشعب. فنرى هنا مرَّة أخرى أنَّ مريم لم تبتهج وتفرح وحدها، بل متَّحدة مع شعب الله كلّه. بما أنّها أمَة الرَّبّ، فهي ترمز كابنة صهيون إلى إسرائيل، عبد يهوه. وحركة نشيدها هذه توحي بأنَّ مريم هي تجسيد لإسرائيل المَعادي.

إن مريم التي تعلن عن عظمة الله في حياتها، تعرف أن تكتشف العظائم التي يحققها الله فيها ومن أجلها. والتواضع المزيف وحدهُ من شأنهِ أن يجعل الإنسان خاطئاً فلا يرى ولا يعرف كيف يقبل الأشياء الكثيرة التي حققها الله لهُ وبهِ. مريم استلمت أكبر عطية يمكن أن تُمنح لأية خليقة وهي مملوءة من النعمة والإيمان. يأتي فرح مريم المذهل من الله مخلّصها وحده. ولم تبتهج لأنّها صارت أمًّا بشريّة بل لأنّها صارت أمّ المسيح مخلصها. فالطفل الذي حملته هو إلهها ومخلّصها. وفي تعبيرها عن فرحها موضوعية وصداقة عميقة في آن واحد: مريم تمحي أمام سرِّ الخلاص الذي وُلد منها. وتدعو الله مخلّصها. وهي بحاجة إليه كأيّة خليقة كانت. مخلّصها هذا، مدّة حياته على الأرض ابتداءً من الصَّليب حتّى الصّعود مرورًا بالقيامة، حفظها، بوساطته عند أبيه وبموهبة الرّوح القدس في العنصرة، في الإيمان والأمانة اللذين استحقا لها الخلاص الأبديّ، فابتهجت روحها بالله “مخلّصها”. وتعيد مريم إلى الأذهان حدث البشارة حيث كشف الله خلاصها الشّخصيّ وخلاص البشريّة. لقد أراد ربّ المجد أن يعطف على أفقر خلائقه وأكثرهم تجرّدًا ليجعل منها أمَته. إن نشيد مريم هو نشيد كوني شامل، وخليق بأن يكون نشيد الكنيسة، كنيسة منفتحة متواضعة وأخوية، مهتمة، صادقة بمعاناة المستَغَلين والمقهورين، كنيسة فرحة وفخورة بالشهادة لأعمال الله في تاريخ البشرية.لنصلِّ: يا أمنا العذراء نشكرك للمَثل الذي أعطيتهِ لنا كيما نكون شاكرين وكيما نكتشف الخير المتسامي الذي يأتي من الله ونتعاضد مع النعمة بفرح، يا والدة الله القديسة اجعلينا أن نكون شاكرين دوماً للعظائم التي صنعها الله من خلالنا. آمين.