full screen background image

رسالة البابا لاون الرابع عشر «Magnifica Humanitas – الإنسانيّة الرائعة»

114

هي أول رسالة بابوية عامة له، صدرت في 15 أيار/مايو 2026 بعنوان: «في حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي». وقد جاءت بمناسبة مرور 135 سنة على رسالة البابا لاون الثالث عشر «Rerum Novarum»، وتركّز على كرامة الإنسان أمام التحديات الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. 

تتألف الرسالة البابوية «إنسانية عظيمة» من خمسة فصول، تسبقها مقدمة وتليها خاتمة. وتنطلق الرسالة من فرضية أساسية مفادها أن التكنولوجيا ليست «قوة معادية للإنسان» (4)، كما أنها ليست «شرًا في ذاتها» (9). ومع ذلك، فهي ليست محايدة، لأنها تكتسب خصائصها من الأشخاص الذين يبتكرونها ويمولونها وينظمون استخدامها ويستفيدون منها. ومن هذا المنطلق، يدعو البابا إلى «البناء من أجل الخير» و«الحفاظ على إنسانيتنا» انطلاقًا من منطق المسؤولية المشتركة والشجاعة.

يتناول الفصل الأول، المعنون «عقلية ديناميكية أمينة للإنجيل»، العقيدة الاجتماعية للكنيسة في ضوء التعليم البابوي الحديث وتعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني، مسلطًا الضوء على طابعها الديناميكي والمتجدد (17). فالعقيدة الاجتماعية للكنيسة ليست مجرد دليل للمبادئ والقواعد التي تُطبَّق بصورة آلية، بل هي «مسيرة تمييز جماعي» و«لاهوت شركة في التاريخ» (28)، يوجّه قراءة الأحداث والوقائع في نور الإنجيل.

أما الفصل الثاني، فيعرض «أسس ومبادئ العقيدة الاجتماعية للكنيسة». ويأتي في مقدمة هذه الأسس مبدأ كرامة الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله. ويؤكد البابا ضرورة التشديد على هذا المبدأ في ظل «ضغوط الأيديولوجيات الجديدة وبعض المصالح القوية» التي قد تختزل الإنسان إلى مجرد «مورد يُستخدم ويُستغل»، أو تقيس قيمته بما ينجزه أو ينتجه (51). وفي المقابل، يذكّر بأن «الكرامة الذاتية لكل إنسان ليست مكتسبة ولا مستحقة، ولا تحتاج إلى إثبات» (53). أما الأساس الثاني فهو حرمة حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة منذ لحظة الحمل وحتى الموت الطبيعي.

يتناول الفصل الثالث، المعنون «التكنولوجيا والسيادة: عظمة الإنسان في مواجهة وعود الذكاء الاصطناعي»، جوهر موضوع الرسالة المتعلق بالذكاء الاصطناعي. ويحذر البابا فيه من «النموذج التكنوقراطي» الذي سبق أن انتقده البابا فرنسيس، حيث تصبح الكفاءة والربح المعيارين الوحيدين لاتخاذ القرارات (92). ويؤكد أن أكثر التقنيات تطورًا ليست بالضرورة الأفضل للإنسان؛ فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على محاكاة السلوك البشري، يفتقر إلى الضمير الأخلاقي والتعاطف والأبعاد العاطفية والعلاقاتية والروحية. ولذلك يدعو إلى التعامل معه بروح من الحكمة والبصيرة، مع ضمان وضوح المسؤوليات في جميع مراحل تصميمه وتشغيله (المساءلة)، ووضع سياسات وأطر قانونية مناسبة، وتأمين رقابة مستقلة، وتدريب المستخدمين على استعماله بصورة مسؤولة. كما يشدد على أهمية وجود مدونة أخلاقية تستند إلى معايير مشتركة للعدالة الاجتماعية، لأن «الذكاء الاصطناعي الأكثر أخلاقية لا قيمة له إذا كانت هذه الأخلاق تُحدَّد من قبل قلة من الناس» (107). كذلك يلفت الانتباه إلى الأثر البيئي للتقنيات الحديثة، التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة والمياه، وتسهم في زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وإلحاق الضرر بالبيئة (101).

اما الفصل الرابع، الذي يحمل عنوان «صون البشري في خضم التحول: الحقيقة، العمل، الحرية»، فيتناول الحقيقة بوصفها خيرًا عامًا وركيزة أساسية للديمقراطية. وفي البيئة الرقمية، ينبغي أن تُصاغ الحقيقة ضمن «إيكولوجية التواصل»، حتى لا تتحول الثقافة الرقمية إلى أداة للتنميط والهيمنة، بل تصبح فضاءً يساعد على نمو الحرية الداخلية وتنمية الفكر النقدي (136–137). وفي هذا الإطار، يشير البابا إلى مجموعة من الوسائل العملية، منها الشفافية في آليات اختيار المحتوى، وحماية البيانات الشخصية، وتعزيز الصحافة الرصينة القائمة على التحقق والحوار العقلاني، إضافة إلى تنمية وعي جديد بالاستخدام النقدي والمسؤول للذكاء الاصطناعي وتشجيع تكامل المعارف. كما يدعو الكنيسة إلى اعتماد تواصل يتسم بالشفافية والأمانة، ولا سيما في مواجهة حالات الظلم والانتهاكات.

في الفصل الخامس والأخير، المعنون «ثقافة القوة وحضارة المحبة»، يوجّه البابا لاون الرابع عشر اهتمامه إلى قضية الحرب، مشيرًا إلى أن الثورة الرقمية تعيد تشكيل قواعد الصراع المعاصر. فغياب البعد الأخلاقي يؤدي إلى تجريد القرارات المتعلقة بالحياة والموت من بعدها الإنساني، ويجعل استخدام القوة يبدو وكأنه «خيار فوري وعملي» (182–183). ويكمن في صلب هذه الرؤية ما يسميه البابا «ثقافة القوة»، التي تعمل على تطبيع الحرب وتبريرها باعتبارها أداة من أدوات السياسة الدولية، مما يشجع على سباقات التسلح. وبينما كان الرأي العام في الماضي ينظر إلى العمل العسكري باعتباره الملاذ الأخير، فإنه اليوم يواجه خطابًا إعلاميًا مستقطبًا و«فقدانًا مقلقًا للذاكرة التاريخية» يحول دون تبني رؤية بعيدة المدى (191). ونتيجة لذلك، لم يعد السلام يُنظر إليه كواجب أخلاقي ينبغي تحقيقه، بل كهدنة مؤقتة وهشة بين الصراعات. ومن هنا، يؤكد البابا لاون الرابع عشر مجددًا – مع الحفاظ على الحق المشروع في الدفاع عن النفس ضمن حدوده الدقيقة – ضرورة تجاوز نظرية «الحرب العادلة»، والعمل بدلًا من ذلك على تعزيز ثقافة الحوار والتسامح (192).

نستخلص بعض النقاط المهمة للرعويات من الرسالة

1. الذكاء الاصطناعي أداة وليس بديلاً عن الإنسان

يشدد البابا على أن التكنولوجيا ليست شرًا بحد ذاتها، لكنها ليست محايدة أيضًا، لأنها تتأثر بمن يطوّرها ويموّلها ويستخدمها. ولذلك يجب أن تبقى في خدمة الإنسان وكرامته (الفقرات 4، 9، 99). 

2. الإنسان يبقى محور العملية التربوية والرعوية

تؤكد الرسالة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التعليم والتواصل ونشر المعرفة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل العلاقة الإنسانية أو الخبرة الروحية أو الضمير الأخلاقي. فالإنسان وحده قادر على المحبة والمسؤولية والتربية المتكاملة (الفقرة 99). 

3. التعليم الرعوي (Pastoral Education)

في المجال الرعوي والتربوي تدعو الرسالة إلى:

* تعليم الشباب التفكير النقدي وعدم الاعتماد الكامل على الأنظمة الرقمية.

* تدريب العاملين في الرعاية الرعوية على فهم التقنيات الحديثة وأخطارها.

* المحافظة على اللقاء الشخصي والحوار المباشر باعتبارهما جوهر التربية والإيمان.

* تنمية البعد الأخلاقي والروحي عند استخدام الوسائل الرقمية. 

4. حماية الأطفال والشباب

تحذر الرسالة من أن الاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي قد يؤثر في:

* تكوين الشخصية.

* الحرية الفكرية.

* العلاقات الاجتماعية.

* القدرة على التمييز الأخلاقي.

ان رسالة Magnifica Humanitas تدعو الكنيسة اذا إلى تكوين أجيال قادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا بطريقة مسؤولة وأخلاقية. وفي التعليم المسيحي والكشافة والشبيبة لا يقتصر الهدف على تعليم المهارات الرقمية، بل يتعداه إلى بناء إنسان متكامل يجمع بين: الإيمان والعلم. التكنولوجيا والأخلاق. المعرفة والحكمة. التواصل الرقمي والعلاقات الإنسانية. التطور التقني وخدمة الإنسان. وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي أداةً في خدمة الرسالة الإنجيلية، بينما يبقى الإنسان، بكرامته وحريته ودعوته الإلهية، محور العمل الرعوي.