اعداد الاخت كلارا حكمت
كما قال الرسول بولس: “فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذٰلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ”. (غلاطية ٢/ ٢٠).
كثيرًا ما نظن أن الألم يكسر الإنسان ويغلقه على ذاته، لكن سرّ الحياة الروحية يكشف لنا أن الألم، حين يُحمل مع الله، يتحوّل إلى قوة حبّ وعطاء. فالسنبلة الممتلئة تنحني، وكذلك النفس التي امتلأت بالألم الممزوج بالنعمة تصبح أكثر تواضعًا ورحمة. ليس الألم بحد ذاته ما يقدّس الإنسان، بل الطريقة التي يعيش بها ألمه: فهناك ألم يقود إلى التذمّر والانغلاق، وهناك ألم يتحوّل إلى خبز مكسور يُشبع الآخرين.
الإنسان المرتاح قد يعيش لنفسه، أما من ذاق الألم فيفهم دموع الآخرين دون كلام. الانحناء الحقيقي ليس ضعفًا، بل نضجًا روحيًا. فالشجرة اليابسة تبقى قاسية، بينما الشجرة المثمرة تنحني.
أحيانًا نظن أننا نخدم الله ونحن أقوياء وممتلئون تعزية، لكن الله يعمل في النفس المتعبة أكثر مما يعمل في النفس المرتاحة. فالألم يسقط الأقنعة ويعرّي القلب أمام الله، ليكتشف الإنسان أنه لا يستطيع أن يعيش إلا بالنعمة. وهكذا تصبح النفس التي عبرت الألم مع الله أكثر لينًا ورحمة.
العطاء وسط الألم هو شكل من أشكال القيامة. أعظم انتصار روحي ليس أن أتخلّص من ألمي، بل أن أبقى قادرة على الحب رغم ألمي:
- حين أبتسم وأنا متعبة… هذا عطاء.
- حين أخدم وأنا مجروحة… هذا عطاء.
- حين أصلّي وأنا متألمة… هذا عطاء.
العطاء وسط الألم إعلان أن الشر لم ينتصر، وأن النعمة ما زالت حيّة. الإنسان المتألم الحقيقي لا يبحث عن الشفقة، بل عن معنى. فالألم بلا معنى يتحوّل إلى ثقل، أما حين يُعاش مع المسيح يصبح رسالة. الله لا يرفع الصليب فورًا، لكنه يعطي النفس اتساعًا لتحمله بمحبة.
القداسة ليست حياة بلا جراح، بل قلبًا يعرف كيف يحوّل الجراح إلى ينبوع عطاء. هناك آلام تُضعف الإنسان، وآلام تُقدّسه.
يا رب، علّمنا ألا نهرب من ألمنا، بل أن نحمله معك.
اجعل جراحنا لا تُقسّي قلوبنا، بل تجعلها أكثر حنانًا.
علّمنا أن الانحناء ليس سقوطًا، بل اقترابًا من الإنسان المتعب.
وإن تعبنا في الطريق، أعطنا نعمة أن نبقى نعطي، لأن القلب الذي يحب لا يتوقف عن البذل. آمين.



