full screen background image

آية وتأمل: الجمعة ٢٣/ تموز/ ٢٠٢١

120

الأب صباح گمورا


مَن أُمِّي ومَن إِخوَتي؟ متى ١٢: ٤٨
تأمل: القرابة الحقيقية من منظار ربنا!

لقد قصد الله منذ البدء بأن لا نكون لوحدنا، فمع الآخرين تزدهر إنسانيتنا. وهذا ما نواه في خلقنا، وأكده في قصة خلق المرأة حواء أمنا. إذ قالَ الرَّبُّ الإِله: “لا يَجبُ أَن يَكونَ الإِنسانُ وَحدَه، فلأَصنَعَنَّ له عَونًا يُناسِبُه” (تكوين ٢: ١٨). مانحاً بذلك العديد من الفرص لتطوير العلاقة مع العائلة والأصدقاء والجيران وزملاء العمل…
في أول وهلةٍ لآية تأملنا لهذا اليوم قد نجد أمراً يخالف التوجهات الكتابية والشرائع الإلهية. فنبدأ بتفسيرها بشكل سلبي. لربما نقول في أنفسنا كيف يمكن لربٍّ مُحب ذاك الذي أوصى أتباعه بان يحبوا بعضهم بعضاً، وبالمحبة عينها يموت على الصليب، يتحدّث بهذا الأسلوب الجاف متجاهلاً صلة القرابة الدموية والأبعاد الإجتماعية!
وما قصد يسوع في أن يتعامل بتلك الطريقة؟ قد يبدو الأمر غريباً إن قرأناه بشكل سطحي!فحينما نقارن ذلك بما تعلّمناه من الكتاب المقدس قد نتفاجأ من الأسلوب:

  1. لأنه يتناقض مع الوصية الخامسة التي تأمر بمحبة الابوين (خروج ٢٠: ٥).
    ٢. وأيضاً الإنجيلي متى يوضح مدى احترام يسوع لعائلته قائلاً: “كان طائعاً لوالديه” (لوقا ٢: ٥١).
    ٣. ويؤكد الإنجيل بشكل جازم عن مدى احترامه للناموس، على حدِّ قوله الرب “مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ” (متى ٥: ١٧).
    لقد تميزت رسالة المسيح بشموليتها ليضمّ الكل إلى ملكوت أبيه السماوي، كما ونجد في جولاته التبشيرية، إنه لم يُضيّع أبدًا فرصة إلا واستثمرها ليعطي لسامعيه تعليماً ودرساً روحياً من خلال الأمثال، ولكنه مع التلاميذ اختلفت توجهاته بمنحهم تعلمياً مميزاً لمعرفة أسرار ملكوت السماوات (متى ١٢: ١١)، موجهاً إيّاهم إلى حقائق الهية، ليدلّهم بذلك للبحث في الأعماق ليكتشفوا حقيقة العلاقة التي تُدلهم إلى الملكوت. وبالتأكيد هذا ما أراده يسوع في هذه الحادثة، فاستغلّ اللقاء ليُطلع الكل إلى الوجه الثاني والأهم لمنظار العلاقة الإجتماعية، إنها العلاقة مع الله، وهي الأساس المتين التي بإمكانها أن تُحيي علاقتنا مع بعضنا البعض… إن جوهر كينونتنا كمسيحيين هي أكثر من عقيدة وتعاليم ووصايا. إنها أولاً وقبل كل شيء علاقة، والتي تتضمن: الثقة،العاطفة،الالتزام، الولاء، الاخلاص، اللطافة، التفكير النيّر، التعاطف، الرحمة، المساعدة، التشجيع، الدعم، القوة، الحماية. وحينما تُستثمر هذه المزايا بشكلها الدقيق، حتماً ستوحّد قلبنا وعقلنا وروحنا مع الذات الالهية المُحبة، وهذا ما كتبه يوحنا الرسول قائلاً: “ونَحنُ عَرَفْنا المحبَّةَ الَّتي يُظهِرُها اللهُ بَينَنا وآمنَّا بِها. اللهُ مَحبَّة فمَن أَقامَ في المَحَبَّةِ أَقامَ في الله وأَقامَ اللهُ فيه” (١يوحنا ٤: ١٦).
    لقد أعطى الكتاب المقدس اهتماماً كبيراً ليشرح بإسهاب صفات محبة الله، مشيراً بخصالها بأنها أبداً: لا تفشل، لا تنسى، لا تساوم، لا تكذب، لا تُخذل ولا تُخيّب الأمل. نستنتج من ذلك بأن الحب الإلهي: ثابت، أبدي، لا يتزعزع، غير مشروط، لا يلين ولا يمكن إيقافه. لقد كتب الرسول بولس نشيدٌ في محبة الله موضحاً بذلك من إنه لا يوجد شيئ في العالم يجعله يتركنا، أو يتجاهلنا، أو يحجب عنا محبة ورعايته. (رومية٨: ٣١-٣٩).
    ولقد كان الدافع الرئيسي لقصة الخلق هو حب الله للإنسانية، كي نتّحد به ونشاركه محبته العظيمة (١يوحنا ٣: ١) (تكوين ١: ٢٦، ٢٧). والهدف من كل ذلك، لنكون شعبًا حرّاً يختار كل ما هو صالح ومحب وعادل من جهة، ورفض كل ما هو باطل ومخالف لمحبته وبره من جهة ثانية. لهذا السبب تحدى يسوع أتباعه، وحتى أقاربه على الأرض، ليدركوا أن الله هو المصدر الحقيقي لجميع العلاقات. وما يريده الله منا هو أن تنبثق كل علاقاتنا من جذر محبته وصلاحه لتكون صِلاتنا معاً شاملة ومضحية وخالية من المصلحة الذاتية. وقد نصل إلى ذلك حينما نتوجّه إلى الرب ونصغي لتعاليمه، وهذا ما وجهنا إليه في حادثة التجلي “هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ.لَهُ اسْمَعُوا” (لوقا ٩: ٣٥). نعم يسوع حقّاً هو النموذج الذي جَسّد محبة الله الآب في عالمنا (١يوحنا ٤: ٩-١٠). وبالإتحاد به سنصبح معيّة الله بالتبني.
    لقد اختبر يسوع تلك العلاقة والقرابة الروحية مع أبيه السماوي، وهذا ما قاله لذويه حينما غاب عنهم لثلاثة أيام إذ كان يعلّم في الهيكل “أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي” (لوقا ٢: ٤٩)، فأراد باختباره أن يوجهنا إلى إقامة علاقة مع الله والعمل بمشيئته تعالى، ومن يحسن ذلك سيكون حقّاً رفيق الله وأحد أفراد عائلته القدوسة. لقد كان هدف يسوع في جوابٍه لتساؤل القرابة هو إنه أراد أن يُغير ترتيب العلاقات مُظهراً لنا أن القرابة الحقيقية ليست مجرد مسألة لحم ودم. وإنما هي علاقة روحية وانتماء تام إلى روح البنوّة والإستسلام لمخطط الله. لذا يتطلّب منا الدخول ضمن مجال هذه العلاقة من خلال ولائنا لإلهنا لننعم بملكوته ملكوت العدل والبر والسلام في الروح القدس (رومية ١٤: ١٧).
    لذا يتطلّب منا أن نسمح لروحه القدوس أن يغير قلوبنا ويجدد عقولنا ويقوّي إرادتنا ليُمكّننا هذا الطريق في بناء علاقة من الحب بحرية وبسخاء كما أحبنا هو وبذل ذاته على الصليب لاجلنا.
    لنصلَّ، أعنّا أيها الآب السماوي، كي نجدد نظام علاقاتنا الإنسانية لكيما نرتقي إلى مستوى البعد العلائقي للمسيح ربنا، فباتباع خطواته ستحفل مسيرتنا بالخصب وستحمل حياتنا ثماراً مضاعفة تؤهلنا للدخول الى ملكوت الهنا.