full screen background image

الصليب وحقيقة الإيمان اليوم!

135

الأخت حنان إيشوع

لم يعد الصليب يُدهشُنا اليوم كما كان يُدهش المسيحيين من قبل، بل جعلناهُ زينةً في بيوتنا وعلى صدورنا، ونسينا معناه الحقيقي. هذا هو بدايةُ فراغنا الروحي الداخلي، لأن الصليبَ ليس مجرد فكرةٍ، بل هو مخططُ الله لنا جميعا ً، لنتبع المسيح على الطريقِ التي سلكها، ونَحمِل صلباننا ونسير معهُ ونعيش وصاياه، كما عاشها القديسون واعتبروه موضوع عناقٍ روحيٍ في علاقتِهم بالله، وموضوع تأملٍ وممارسةِ حياةٍ يومية، لأنه قوةُ الله للخلاص.

للصليب معانٍ تدخلُ إلى أعماقِ النفسِ بقوةِ الروح القدس. فلنحاول أن نتعمّقَ في بعضٍ منها لنستطيع بعد ذلك أن نساعد الآخرين على فهمها:

يُذكّرنا الصليبُ بجنبِ المسيحِ المجروح. ويتكرّرُ في الشعرِ الليتورجي السرياني بأسلوبٍ تصوّفيٍ نصُ إنجيل يوحنا (19/ 34)، الذي يتكلمُ عن جنبِ المسيحِ المجروحِ فوق الصليب: يقابلُ الذراع الأُفقي للصليبِ تاريخَ الخلاص (السيف الذي كان يحرس الفردوس) والمستقبلي (ولادة الأسرار: العماد والافخارستيا من جنب المسيح). بينما العمودي مربوط بسر موت المسيح على الصليبِ وبقائه حياً. يقول يعقوبُ السروجي: “جرى الماءُ من جنبه ليظهرَ بأنه ميتٌ، وخرجَ الدمُ أيضاً ليظهر بأنه حيٌّ وإن كان ميتاً”. ويصف في مكانٍ آخر العريس السماوي: نامَ المسيح على الصليب، فخرجَ من جنبهِ العمادُ، نام العريسُ، وجنبه مجروحٌ، فولِدَت العروس، كما حدث عند خلق حواء. وقعت عليه غفوة الموتِ فوقَ الصليب، ومنه خرجت الآلام – العماد، الذي ينجب كلَّ الناس الروحانيّين. رَبُّ آدم يصنعُ حواء من جديد في النوم، لتكون أُمُّ آدم، وبدل حواء، خرج دمٌ وماءٌ لينجبوا أولاداً روحانيّين. من الجنبِ الحي الذي يموتُ ليُعطي الحياةَ ولِد الأولاد الروحانيّين (5). فالمسيحُ بموتهِ على الصليب أعطى لنا الحياة الجديدة.

الصليبُ رمز الحب: من الأمورِ المثيرة للجدل في الإيمانِ وجودُ الألم في العالمِ، ومع أن يسوع المسيح انتصرَ بآلامه على الموت. فنحن نبحثُ ونتعمقُ بمعاني الصليب الحقيقية: الحُبّ “ما من حبٍ أعظم من هذا أن يبذل الإنسانُ نفسه عن أحبائه” (يو 15/ 13).

الصليبُ رمزُ الانتصار: يُعلّمنا الربُّ يسوع أن الصليب هو رفيقنا ولا ينفصلُ عنّا “من أرادَ أن يتبعني، فليكفرْ بنفسهِ ويحملْ صليبَهُ ويتبعني” (متى 10/ 37-39)، لأن الربَّ يُريدنا أن نختبر حبّه كلَّ يومٍ، وفي أي عملٍ نقومُ به. فليسَ الصليبُ رمزًا للألم أو للفشل، بل هو رمزُ انتصارنا على الشر، لأنه بيسوع يتبدّلُ ضعفنا في الألمِ إلى واسطةٍ لانتصارِنا.

الصليبُ نقطةُ لقاء: عندما ننظرُ إلى الرّب يسوع على الصليب نتذكرُ قوله “أنا هو الطريقُ والحق والحياة” (يو 14/ 6). لأن كلَّ إنسانٍ ينظرُ إلى الصليبِ لابدَّ أن يرفع نظره إلى العُلى “وكما رفعَ موسى الحية في البريةِّ هكذا ينبغي أن يُرفعَ إبنُ الإنسان” (يو 3/ 14). هو معلّقٌ بين السماءِ والأرض. فعندما نتأمله في الجسدِ نرى حُبَّ الله المُعلن للبشرية، وفي الوقت ذاتهِ نراه يُكمّل مشيئة الآب السماوي كما بيّن لنا الإنجيل في مناسباتٍ مختلفة “هذا هو ابني الحبيب الذي به سُرِرْتُ” (متى3/ 17). فالصليبُ هو نقطةُ لقاءٍ بين ما نرى، وما يكشفهُ لنا الآب السماوي.

الصليبُ قوة ٌجديدة: دخل العالمَ وأصبح أقوى ما فيه، حوَّل السلبياتِ التي كان يرزح تحتها الإنسانُ إلى ايجابياتٍ يَنعمُ بها. بعد أن كان هوانا ً ولعنة، أصبحَ مجدا ً ومصدرَ فرحٍ، لأنه العلامة العظيمة التي كَشَفَت الحب الأعظم.

الصليبُ رمزُ الفخر: منذ بداية القرون الأولى من المسيحية رأى المسيحيون وجه المسيحِ في الصليب، وكانوا يعتبرونهُ فخرَ المفاخر.