full screen background image

باعوثة نينوى

215

الأخت د. حنان إيشوع

إنَّ صوم نينوى هو الأكثر شهرة (من باعوثة ما زيعا وباعوثة البتولات أو العذارى) ويقع بعد الأحد الخامس من الدنح أو ثلاثة أسابيع قبل الصوم الكبير، ولمدة ثلاثة أيام من الاثنين إلى نهاية يوم الأربعاء، ويلتزم به الكلدان كبارهم وصغارهم إذ ينقطعون إلى أعمال التوبة وتغصّ بهم الكنائس ويمتنعون عن تناول الطعام لمدة معينة (تحددها الكنيسة) ويكتفون بالبقول والخضروات فلا يتناولون اللحم ولا الدهون، وبعضهم، خاصة، الشابات والشبان يطوون الباعوثة صياماً أي ثلاثة أيام بلياليها من مساء الأحد إلى مساء الأربعاء أو صباح الخميس. تسمى باعوثة نينوى لأنها إقتداء بما فعل أهل نينوى بعد كرازة يونان كما ورد في سفر يونان في العهد القديم، فكما استجاب الله لأهالي نينوى وغفر لهم هكذا يغفر للمؤمنين في كل حين عندما يتوبون.

أما بخصوص سبب نشوء هذا الصوم فيرجع على قول أحد المؤرخين إلى إنتشار وباء في شمال بلادنا قضى على نسبة عالية من المؤمنين، فنقرأ عند المؤرخ عمرو بن متى (أخبار فطاركة: ص43) إذ يذكر الصوم في مجرى كلام الجاثليق حزقيال (570 -581)، الذي قرّر أن يصوم المؤمنون كل عام ثلاثة أيام، ابتداءً من الإثنين السابق للصوم الكبير بثلاثة أسابيع، بعد ان كان عدد الموتى يتزايد بسبب مرض الطاعون، واتفق  أيضاَ، مطران باجرمي وأسقف نينوى على عمل الباعوثة على رأي واحد ونية واحدة بأن يصوم المؤمنين ثلاثة أيام أولها يوم الاثنين قبل الصوم الكبير بعشرين يوما ويطلبوا من الله أن يرحمهم ويقبل سؤلهم مثلما قبل من أهل نينوى ويرفع الموت عن خلقه وأن يكون صيام هذه الثلاثة أيام مؤبداً طول الزمان. فلمّا عملوا ذلك قَبِلَ الله منهم ورفع الموت، ومن ذلك اليوم سُمِّيَت هذه الباعوثة صوم نينوى لكونهم قالوا: نعمل مثل أهل نينوى وتخلَّصوا منه برفع السخط عنهم… “.

وقت الباعوثة: وضعتها الكنيسة في الفترة ما بين الميلاد والصوم الكبير وفي ذلك حكمة ورحمة لأمرين: أولا: إنّ الناس يكونون في هذا الموسم شبه بطّالين، أي في سبات العمل، اذ تتوقف أعمال الزراعة والبناء وما إلى ذلك. ثانيا: إنَّ المناخ بارد، والنهار قصير فلا يصيب المؤمنين ضرر ولا إرهاق حتى لو صاموا ثلاثة أيام بلياليها.

الرتبة الطقسية: تتكون الرتبة الطقسية كما نمارسها اليوم من قراءات ومداريش وبركات ختامية تستغرق ساعات طويلة ولها الحان شجية مؤثرة، لذا كان المؤمنون يحضرون يومياً لأنها رتبة توبوية بليغة حقاً، وألحانها تترك في النفوس تأثيراً عميقاً. تعلمنا هذه الصلوات: أولا. انَّ كل أهل نينوى الوثنيين قد تابوا فكم بالأحرى على المؤمنين المسيحيين أن يفعلوا ذلك. ثانيا. كانت نينوى رمزاً للعنف والحرب لكنَّها عندما سمعت نداء الرب تابَت. فكم علينا أن نحيا أعمال المحبة والتوبة. ثالثا. إنَّ يونان يتمرد ثم يتراجع ويتوب وكذلك نينوى فهما نموذجان للتوبة.