full screen background image

حبة الحنطــــــة

62

الأخت نقية منصور

“إن حبة الحنطة التي تقع في الأرض إن لم تمت فإنها تبقى مفردة، وإن ماتت أتت بثمرٍ كثير”

(يوحنا 24:12)

          حكاية حبة الحنطة: هي حبة بَذرتها يد الزارع في الفضاء، فحملتها الرياح على أجنحتها وألقتها دون ما شفقة في الأتلام، فهَوت في بطن الأرض تتخبط بوحدتها ووحشتها في ظلمة اللحد العميق، ثم ما اكتحلت عينها بنور الشمس لحظة حتى عاينت الطبيعة تنسج لها أكفانًا من ثلوج وتلفها بجلباب الصمت العميق.

هوَت في بطن الثرى ولربما عقدت ذراعيها على صدرها بشكل صليب. كيف لا… وهي تموت فدية عن الآخرين فاحترمت ديدان الأرض جسمها إذ رأتها تجود بحياتها لتمنح الحياة للآخرين. انظروها تتفسخ وتتلاشى بالخفية في كومة وحل ولكن تحت ستار ناصع البهاء. وما همها في رضيّة النفس، قريرة العين مطمئنة الى مصيرها لأنها ستلد عما قليل الحياة والبهجة والحُبور.

تعرّت من ذاتها لتستر بعريها عري الأرض. إن جرثومة الموت قد استحالت الى برعم ونبتة حياة، فالحياة لا تنبت إلا على ساق الموت. كانت الحياة كامنة فيها كالسر الدفين، فكان الموت وكانت الحياة في آن واحد، وكانت في ميتة تلك الحبة حياة الآخرين. فلو كانت حبة الحنطة هذه قد ظلت منكشمة على ذاتها في داخل الأهراء الدافئة تأبى المجازفة بالنفس والتضحية والموت حبًا للآخرين، لما تمكنت من نشر ملاءة الربيع الوسيم على الأرض، والجود بالحياة على الإنسان.

لقد عرفت المبدأ القائل: “من يخسر يربح”. من يُهلك نفسه لأجل الآخرين يجدها بنوع أكمل لحياة الأبد. ولهذا عزمت على الخروج من عزلتها وأنانيتها، وقذفت بذاتها في أحضان الأرض متطوعة لخدمة الآخرين، فقدمت ذاتها ذبيحة مرضية، وقربانًا ذكيًا لحياة العالمين. فكان الموت وكانت الحياة، وكانت النِعم والبركات الفياضة التي لا ينضب لها معين. أجل… ان حكاية حبة الحنطة هي نفس حكاية حياتي أنا، وأنت وكل مكرّس. فعلى مثالها نحن جميعًا مطالبون بالموت عن الذات لنعطي الحياة للآخرين.