full screen background image

الدعوة في الكتاب المقدس

32

الأم مريم يلدا

في كلامنا عن الدعوة، نرى ان الجذر أو المصدر لأي دعوة هو الله كمبادر، ثم في العهد الجديد يسوع المسيح من خلال نداءات الروح القدس. ففي الكتاب المقدس “العهد القديم”، نرى ان كل تاريخ الخلاص هو دعوة واحدة، بحقبات وأزمنة متصلة مع بعضها، تكشف لنا كيف ان الله تدخّل في تاريخنا البشري من خلال شخصيات وبطرق مختلفة. وعند استعراضنا المدعوين في الكتاب المقدس، نرى انه يتناول جانبًا معينًا من شخصيتهم وليس كل الجوانب، ولكن ما يوحّد جميع هذه الشخصيات، هي رسالة الخلاص التي يقدمونها للعالم أجمع.

          الشيء الثاني الذي يوحّد هذه الشخصيات ويدخل في تركيب كل واحد منا هو الروح الإنساني. فعندما أقرأ عن شخصية معينة، أدرك وأفهم الوجه الروحي والإنساني لتلك الشخصية، وهذا يدفعني دائمًا ويدعوني الى التعمّق والنضوج في تفكيري وقناعتي وعلاقاتي. وهذا الشيء لا يُقاس بالدراسة أو بالقراءة المستمرة، وإنما بانسجام النضج مع روح المحبة الخاص بالله، أي أن تكون نغمتي منسجمة مع نغمة روح الله ومحبته. وهذا هو الشيء الضروري الذي يجب علينا أن نكتشفه (أن يكون لنا نفس الشعور والاحساس الموجودين في شخصيات الكتاب المقدس). إذن كل شيء يتوقف على العلاقة التي تتكون لدينا مع الله، وهذا نستطيع أن نشبهه بعلاقتنا مع صديق أو شخص نعرفه. أحيانًا تكفي كلمات قليلة لنفهمه وأحيانًا أخرى من خلال سكوته نفهم شعوره واحساسه.

نفس الشيء بالنسة للكتاب المقدس تكفي أشياء قليلة أو عبارات بسيطة حتى تجعلنا نفهم الفحوى بعمق. وهذا يتوقف على درجة اكتشافنا للأشياء “الحدس ــــ الحس”. ولهذا نحن جميعًا نطلب هذه النعمة من الرَّب كي ندخل في انسجام معه. هذا هو البحث المتواصل لاكتشاف الحقيقة.

          الشخصيات الكتابية، الآباء الأوائل، يمثلون محتوى إيماننا. فرجل مثل إبراهيم، ليس صحيحًا أن نتكلم عنه كقصة في الماضي، وكأنها انتهت في وقتها، بل إبراهيم هو اليوم حاضر، هو كل إنسان يدعوه الله ويسير وراء الدعوة مهما كانت مُكلفة. إذن الشيء الذي يربطنا بهم هو الإيمان. إذن إيماننا هو من آبائنا وليس مصدره منّا، لكنه يصير منّا عندما نتواصل مع من سبقونا، فيصير إختياريًا وخبرة ومسيرة شخصية.

          الله اختار الشعب الإسرائيلي كشعب مختار ومميز، ليس لكونه أفضل الشعوب أو يمتلك قابليات أكثر، ولكن الله اختاره وميّزه ليكون علامة لمحبته وحضوره وخلاصه وأن يعكس ذلك على كل الشعوب. هو مدعو من أجلهم “أن يحمل الخلاص الى كل الأمم”. إن الله اختار إسرائيل كنقطة الإنطلاق، ولكن بني إسرائيل في البريّة لم يفهموا ذلك إنما أدركوا بعض الشيء في فترة الأسر البابلي، وسألوا أنفسهم، ترى لماذا حملنا الله الى هنا؟ هذا كي يعرفوا أن الله ليس فقط لإسرائيل وإنما هو إله الجميع. كل هذا حتى يقولوا إن دعوة الله هي مجانية.

          عندما اختار يسوع تلاميذه، لم يكونوا أفضل من غيرهم ذكاءً ومعرفة وفضيلة، بل أسلوب يسوع التربوي مختلف عن أسلوب “المعلمين في اسرائيل”. غايته أن يترك التلاميذ كل شيء ويتبعوه، أي أن يبقوا دائمًا تلاميذ، يعرفون صوته ويدركون ويفهمون كلامه، لأن كلام المسيح هو “الطريق والحق والحياة”. نلاحظ هنا أن يسوع هو مصدر كل دعوة، وجميعنا مدعوون لنجاوب على هذه الدعوة المجانية من قِبل الرَّب، حيث أن إتِّباع يسوع هو واجب والتزام لكل مسيحي معمّذ لكونه الأساس الثابت لحياتنا بأساليب ونماذج متنوعة.

معلم إسرائيل لا يختار تلاميذه، وإنما التلاميذ يختارونه وهو يعلّمهم ويتقاسم معهم الشيء الذي يعرفه في نظرياته، ولا يتساءل في شرح وتطبيق النظرية في حياتهم. والمعلم عادةً يتابع تلاميذه لفترة من الزمن ويأتي وقت فيه يصبح التلميذ معلمًا. بينما المعلم يسوع هو الذي اختار تلاميذه، وهناك أمور خاصة يطلبها ويجب أن يطبّقها التلاميذ في حياتهم: “مَن أراد أن يتبعني فلينكر نفسه”. أي انه يوجد متطلبات خصوصية وليست مجرد نظرية المقاسمة في فهمها.

          والشيء الآخر مهم جدًا وعلينا أن نفهمه، هو أن يسوع يبقى المعلم دائمًا ولا يعمل على تكوين معلمين، فالتلاميذ يتبعونه ويبقون تلاميذ دائمًا وأبدًا ويواصلون رسالتهم كتلاميذ. ونحن أيضًا، مكرسين ومكرسات نبقى دومًا تلاميذ ذاك المعلم الذي أحبنا ودعانا لنتبعه.