full screen background image

التأمل الثالث عشر إيمان مريم العذراء قوة هادئة

203

الأخت مارتينا

إذا أردنا أن نصف إيمان مريم العذراء نقول إنهُ القوة الهادئة. كان إيمان مريم قوياً هادئاً، أي مترسخاً في كيانها كلهُ، مستوحذاً على حياتها كلها، مسيطراً على سلوكها كلهُ، يتقبل ما يراهُ الأخرون مستحيلاً، يرشح وينضح كالعطر من كل ما تعملهُ وتقولهُ، مريم كما إنها أم المحبة والرجاء فهي أم الإيمان أيضاً، إذ يقول القديس إيريناوس: “إن الضرر الذي سببتهُ حواء بعدم إيمانها، أصلحتهُ مريم بحسن إيمانها” وتقول القديسة تريزا الطفل يسوع: “كيما يأتي بثمرٍ تأملٌ عن العذراء، يجب أن يُظهر هذا التأمل حياتها الواقعية كما تُستشف من الإنجيل، إنها عاشت نظيرنا من الإيمان”. لقد كانت أول مدرسة للإيمان، في بيت الناصرة، وكانت المعلمة في هذهِ المدرسة هي أمنا العذراء مريم. إذ لم يأخذ يسوع المسيح عن أمهِ مريم الجسد واللغة والثقافة والصفات الإنسانية فقط، بل والإيمان أيضاً. لذا فإن أمنا مريم العذراء هي مدرسة نتعلم منها الإيمان لكي نعيشهُ في حياتنا. إن مريم العذراء آمنت بمضمون البشارة وهي لا تفهم فهماً كاملاً مضمون وشمولية هذهِ البشارة، ولكنها آمنت وخضعت لكلمة الله وأسلمت ذاتها تسليماً مطلقاً بين يدي الله. وتقول العذراء مريم عندما ظهر لها الملاك أثناء البشارة: “ها أنا أمة للرب، فليكن لي كقولك”. (لو1: 37)، لتظهر شبيهة بإبراهيم أبو المؤمنين لما قال لهُ الرب: “إنطلق من أرضك وعشيرتك وأرض أبيك، إلى الأرض التي أريك” (تك12: 1)، فانطلق وهو لا يعلم إلى أين يتوجه هكذا يكون الإيمان قفزة في المجهول في حب الله، ومن أجل الله ولخدمة الله وضمانتهِ الوحيدة هي شخص الله الذي يرافق ويرعى، فإن تسليم الذات عند مريم العذراء هو فعل تقدمة كرست لهُ كل حياتها .

كان إيمان مريم العذراء قوة هادئة في البشارة والميلاد، تجلى في تقبل مريم تلك الفتاة في مقتبل العمر وبرعم الحياة، لمشيئة الله وتدبيرهِ لذلك المشروع المخطط العظيم الذي يعلو كل إدراك بشري، وهو أن تكون أماً ليسوع أي أن يولد إبنُ الله نفسهُ من حشاها بقوة الروح القدس، وكذلك كان إيمانُ مريم القوة الهادئة في الآلام والقيامة، إذ رافقت مريم يسوع على درب الآلام بإيمان قوي هادئ إذ استطاعت أن ترى وحيدها يسوع معلقاً على الصليب وميتاً في قبر، توجعت مريم وجعاً أليماً برؤية وحيدها معلقاً على الصليب وميتاً لكنها بقيت قوية هادئة بإيمانها، وأيضاً تجلى إيمان مريم القوي الهادئ في بقائها إلى جانب الرسل بعد القيامة والصعود، تدفع عنهم الخوف منتظرة حلول الروح القدس، روح القوة الذي سوف يملأهم ويطلقهم إلى الخارج، إلى التبشير بيسوع بجرأة. لذا فلنسعَ إلى أن يكون إيماننا قوة هادئة، إيماناً مبنياً على صخر متغلغلاً فيهِ، إيماناً فاعلاً في المحيط الذي نعيش فيهِ، كما تفعل الخميرة في العجين والملح في الطعام. وكما كان إيمان مريم ضرورة لحصول الخلاص، كذلك إيماننا نحنُ أيضاً هو ضرورة لحصول الخلاص. إن يسوع فتح لنا أبواب الخلاص إنما علينا نحن أن ندخل بالإيمان القوي الهادئ، نظيرَ مريم.

لنصلِّ: السلام عليك يا مريم، والدة الله، الكنز الجليل للكون بأسره، السراج الذي لا ينطفئ، تاج البتوليّة، داعمة الإيمان الحقيقي، يا مريم البتول الطوباوية، كيف يمكننا نحن غير المستحقين، أن نفيك حقك بالشكر و الإكرام لكونك أنقذت العالم الغارق بالخطيئة بموافقتك الكاملة على المساهمة في مخطط الله، اقبلي امتناننا، و استمدي لنا بصلواتك الصفح عن خطايانا، احملي صلواتنا إلى قدس السماء و اجعليها قادرة على منحنا السلام مع الله. أمين.