full screen background image

مقالة عن مريم في الإسلام

79

اعداد الأخت فرح يوسف

بشارة الملائكة:

     لقد بشّرت الملائكة مريم بالمسيح وذكر الملائكة لها أولى معجزات السيد المسيح وهي أنه سيكلّم الناس وهو ما زال في المهد: “إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين”، “ويكلّم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين”.

     واختلف المفسرون في تفسير “بكلمة” فمنهم من قال إن هذه الكلمة هي ماقاله الله تعالى (كن) وهذا رأي ابن عباس والبعض قال إن (كلمة الله) هي التي نطق بها المسيح وهو بعد في المهد دفاعًا عن طهارة أمه. مهما يكن من هذا الأمر فقد أراد الله جلت حكمته أن يولد المسيح بغير أب فكان لما أراد الله. وكانت معجزة السيد المسيح الأولى هي أنه نطق وكلم الناس وهو ما زال في المهد طفلاً وليدًا.

     أما ماحدث بين اليهود ومريم حينما شاهدوها تحمل المسيح وكانوا يعرفون عنها إنها ما زالت عذراء فقد ذكرها القرآن الكريم في الآيات 27- 28- 29 من سورة مريم.

“فأتت به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئًا فريا. يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا”.

مريم آية العالمين:

     نشأت مريم العذراء نشأة طهر وعفاف، وكانت العناية الإلهية تحميها، تعتني بها وتحرسها. العذراء آية ويا لها من آية. لم تحمل الأرض مثلها في الجانب الإعجازي لأن الولادة كقضية طبيعية لا بد وأن تكون بين ذكر وأونثى وزوج وزوجة، إلا أن ولادة مريم العذراء أدهشت العقول البشرية وأذهلهتها لأن ولادتها آية خالدة، ومعجزة كبرى تقف العقول حائرة، عاجزة عن تحليلها بالمقاييس المادية والشرائع الطبيعية الوضعية. فلقد جاءت هذه الولادة مغايرة لجميع تلك الشرائع ومخالفة لكل القوانين الطبيعية المعروفة. لهذا أصيبت العقول بالذهول لهذه المعجزة. فكيف تلد امرأة من غير زوج؟ أن هذا الأمر يضع العقول البشرية أمام ثلاث احتمالات:-

 1- فأما أن تكون متزوجة سرًا.

2- وإما أن تكون باغية وحاشا لها ذلك.

3- وإما أن تكون تلك الولادة آية ومعجزة.

     نعم لقد حيّرت ولادة عيسى العقول، فهي معجزة إلهية عجزت كثير من الأمم والمجتمعات عن استيعابها، فمنهم من قال عن مريم أنها أم إلاله، والبعض يقول إن إبنها هو الله، وقال البعض أنها هي الآلهة يعني معبودة، إنهم في حالة دهشة وحيرة لهذه المعجزة المسماة مريم.

     وفي الحقيقة ومن دون مبالغة ومغالاة كانت مريم العذراء منذ مولدها الشريف وحتى ولادتها الى وفاتها كلها آية ومعجزة، وستبقى معجزة لجميع الأجيال الى يوم يبعثون. فهي تتقلب في الآيات والمعجزات. وصدق الله حين قال: “وجعلناها وابنها آية للعالمين”. فهذه معجزة، فكلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا تلك معجزة، وإن تخاطبها الملائكة وتتحدث معها تلك معجزة، وأن ينطق الجنين في بطنها معجزة.

مريم الطاهرة:

     العذراء مريم ليست فتاة عادية على الإطلاق، وهكذا الأمر بالنسبة لنسبها فهو غير عادي أبدًا وأسرتها وعائلتها معروفة بالنزاهة والطهر والقداسة ومعروفة بالشرف والصلاح والعفة والإيمان والتُقى والفضيلة، وهم معروفون في أوساط المجتمع بهذه الأمور وتاريخهم يشهد لهم بذلك.

     والقرآن الكريم وهو كلام الله وهو على كل شيء شهيد – يشهد بذلك قال تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين”.

     هذا بالنسبة للعائلة الطاهرة (آل عمران) وبالنسبة للصدّيقة الطاهرة مريم (ع) يقول تعالى: “وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين”. فالوراثة وراثة طهر وشرف وعفاف والتربية تربية أنبياء وقداسة. فهي إذًا من أصلها وتربيتها ووراثتها وسيرتها كلها طهارة وعفة. إن الله أراد أن يعدها الإعداد الروحي العظيم ليجعلها أهلاً لأن تكون مستودعًا لهذا الإنسان العظيم الذي أراد الله له أن يكون مُظهرًا لقدرته، وأراد أن يكون رسولاً لعباده. وأراد له أن يعيش ليوجّه الناس الى الخير، وليجعل من ولادته معجزة وليجري على يديه المعجزات.

     ولا ننسى إن المرأة كانت في عصر مريم مُهانة ومُحتقرة في نظر المجتمع، فأراد الله أن يرفع من قدرها في العالم ويعدّل نظرة الناس إليها. فقال لهم بلسان الحال أن كرامة المرأة ليست مساوية لكرامة الرجل فحسب، وإنما للمرأة الفاضلة أن تكون أفضل من الرجال. وها هو نبي من أولي العزم لا يشارك في إنجابه رجل بل تنفرد الطاهرة مريم بإنجابه. ومثل هذا المعنى يُفهم مما خاطبت به حنة (أم مريم) ربَّها حيث قالت: “ربِّ إني وضعتها أنثى… وليس الذكر كالأنثى”.

الولادة المعجزة كما جاء بها القرآن الكريم:

16- اذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا

17- فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا

18- قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا

19- قالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا

20- قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا

21- قالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا

22- فحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا

23- فأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا

24- فنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا

25- وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا

26- فكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا

27- فأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا

28- فا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا

29- فأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا

30- قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا

31- وجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا

32- وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا

33- وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا

     وذُكِرَ عن مريم في القرآن إنها انفردت عن أهلها فأرخت من دونهم سترًا لكي تغتسل. وبعدما فرغت من القيام بذلك أرسل الله سبحانه الملاك جبريل إليها في  صورة شاب كامل الصورة جميل الشكل والمحيّا. وعندما رأت مريم هذا الشاب ماثلاً أمامها ظنّت أنه هو ذلك الرجل الذي يدعى (التقي) فتعوذت منه وارتجفت فتبسم لها للحال قائلا: (لا تخافي يا مريم إني جبريل أُرسلت من الله لكي يهب لك ولدًا صالحًا طاهرًا). فالتّفت إليه قائلة: (من أين يكون لي هذا الولد ولم يقربني زوج ولم أكن فاجرة!).

     فقال لها الملاك جبريل: (هكذا كما قلت لك خلقه الله على هين بلا أب لكي نجعله علامة مضيئة وعبرة لبني إسرائيل، ولدًا بلا أب لمن آمن به قضاء كائنًا أن يكون ولدًا بلا أب). فحملته مريم وانفردت بولادته إياه بعيدًا عن الناس. ولما جاءها الطلق لجأت الى جذع نخلة وتمنّت لو أنها ماتت قبل أن يحصل لها ما حصل. لكن جبريل قطع عليها شكوكها وظنونها مطيّبًا خاطرها بكلام رقيق: (لا تحزني يا مريم على ولادة عيسى نبيًا فقد جعل ربّكِ تحتكِ نهرًا صغيرًا وخذي بيدكِ بأصل النخلة فحركيها تساقط عليك ثمرًا غضًا طريًا، فكلي من هذا الرطب واشربي من مياه النهر وطيبي نفسًا بولادة عيسى عليه السلام. وعندما تلتقين بأحد من الآدميين بعد ولادتك الشريفة لا تجيبي عن أي سؤال ولا تكلّمي أي إنسان والزمي الصمت حتى يتكلم عيسى. وعندما أتت به (أي عيسى) الى دار قومها وهو ابن أربعين يوما قالوا: ماهذا العار الذي أتيت به يا مريم وما هذا المُنكر الذي فعلتيه؟ فلم يكن أحد من والديك زانيا أو فاجرا!!!

     فلزمت مريم الصمت ولم تُجب القوم على أسئلتهم بأي شيء، وأشارت بيدها الى عيسى أن يكلموه فقالوا: كيف نكلم وليدًا صغيرًا؟ فنطق عيسى للحال وقال القوم: لقد وهبني الله وعلّمني التوراة والإنجيل في بطن أمي، وبعد خروجي جعلني معلمًا للخير حيثما كنت وأقمت، وأوصاني بإتمام الصلاة والصدقة ما حييت، وجعلني بارًا بوالدتي ولم يجعلني جبارًا في ديني وعاصيًا لربي، وقد سلمني حين ولدت من لمزة الشيطان وسلمني من ضغطة القبر حين وحين أُبعث من القبر حيًا.

     وللأهمية والقدسية لهذه السيدة العظيمة وعن سورتها في القرآن الكريم وردت أحاديث كثيرة: فعن أبي بن كعب عن النبي قال: “من قرأ سورة مريم أُعطي من الأجر بعدد من صدّق بزكريا وكذب به، وبيحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وابراهيم واسحاق ويعقوب واسماعيل عشر حسنات”. وقال الأمام الصادق: “من أدمن سورة مريم لم يمت في الدنيا حتى يصيب منها ما يغنيه في نفسه وماله وولده وكان في الآخرة من أصحاب عيسى ابن مريم (ع) وأُعطي الأجر في الآخرة مثل سليمان بن داؤد في الدنيا”. فقد تحصّنت هذه المرأة العظيمة من جميع المحرّمات التي تطال الشرف والعفة، فلم يمسّها بشر ولا رجل الى أن دنا الوقت الذي قضاه الله عز وجل. تلك النفخة الروحية الإلهية صارت جنيناً في رحمها الطاهر وحملت بعيسى المسيح الذي بشّرتها الملائكة كما بشّرت من قبل أبيها عمران الذي بشّر بدوره زوجته حنة، لقد تحقق الوعد الربَّاني.

وفاة مريم:

     لم يرد في القرآن الكريم ولا في الكتاب المقدس أية إشارة عن وفاة العذراء مريم، إلا أن التقليد المسيحي يقول إنها عاشت 72 عاما وماتت في مدينة أفسس بتركيا. وعندما كُشف عن قبرها طلبًا من الرسول توما لأنه جاء متاخرًا لرؤيتها فلم يجدوا في داخله إلا الورد، فاستنتجوا بأنها صعدت الى السماء بالنفس والجسد لتكون مع ابنها هناك.

الخاتمة:

     مريم… وهي بعد في رحم أمها نُذرت لبيت المقدس ومن نفخة الروح المنبعثة من الروح القدس تبتّلت فأحصنت فرجها. وفي الرحم الذي حفظها من أدران الخطيئة وأعاذها الله لمزة الشيطان كأن تكونها. وبهذه الكينونة التي جُبلت فيها من الطهارة والعفة وَهبت مريم فوُهبت رسول السلام والمحبة: فكان المجد لله في العلى.

     إنها إنسانة طاهرة… نقية… بريئة، ثبّتها الله فجعلها مثالاً للمرأة المؤمنة القوية بالله التي تتحدى مجتمعها من خلال امتلاكها الثقة بنفسها وبالله، ولهذا فإنها وقفت وقفة صلبة قوية، حتى إذ جاءها الضعف التجأت الى الله لتأخذ القوة، وإذا خافت السقوط أمام التحديات، انطلقت الى الله لتأخذ منه ما يرفعها لتقف قوية أمام كل التحديات.

     إذن هناك تمييز الله تعالى لمريم عليها السلام عن نساء العالمين، فهي الوحيدة التي تحمل وتلد وهي عذراء، وهذه معجزتها من الله للعالمين تذكيراً بأن الله هو الخالق وتذكيراً للناس بخلق أول البشر آدم. (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) [التحريم:12].

     فهي الوحيدة التي سُميت سورة باسمها وذكرها الله باسمها في القرآن وهي سيدة نساء العالمين. 

وفي هذا الصدد قال ابن عباس : [خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة أخطط ثم قال: (تدرون ما هذا ؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون).

المراجع:-

  1. كتاب مريم العذراء العابدة في محراب الطهر – الصحافي محمد السباعي.
  2. كتاب في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي – آية الله السيد محمد حسين فضل الله.
  3. كتاب قصة وفضائل مريم العذراء وابنها المسيح عيسى ابن مريم في القرآن الكريم – الباحث ماجد سيلمان.

الموضوع له صلة