full screen background image

تأمل اليوم الحادي والثلاثون من الشهر المريمي

106

مريم ملكة الكون

إعداد الأخت مارتينا عبد المسيح

وُلدت مريم ملكةً لأنها أُعدت، منذ الأزل، لمهمة ساميةٍ فريدة. فقد وُلدت لتكون أم الله، وشفيعة البشر. وقد قال القديس يوحنا الدمشقي: “لقد أُقيمت مريم سلطانةً على جميع الخلائق”. ومهمة الملك أو الملكة هي القيادة، وإرشاد المجتمع نحو غايتهِ. وفي جميع العصور المتعاقبة التصقت صفة الملكة بالعذراء، فسماها الباباوات والآباء والقديسين، والمؤمنين، على التوالي: ملكة الملائكة، لأنها تفوقهم منزلةً وكرامة. ورسالتها أسمى من رسالتهم. إنها أم الله، وما الملائكة سوى خدامهِ. الملائكة يخدمون الله، ولكنها هي حملتهُ في أحشائها وولدتهُ، وغذتهُ، وواكبت حياتهُ الأرضية. وهي تفوقهم جميعاً نعمة، ومجداً وطهراً وكمالاً، وخضوعاً لمشيئة الله وعملاً بوصاياهُ، ملكة الآباء لأنها تفوقهم تقوى وبطولةً. إبراهيم أبو الآباء أبدى استعداداً للتضحية بوحيدهِ إسحق. ولكن الله أعفاهُ من هذهِ التضحية. أما مريم العذراء فقد ضحت حقاً بوحيدها لخلاص البشر، ملكة الأنبياء: بسبب موهبتها النبوية الخارقة، الأنبياء مُنحوا موهبة معرفة المستقبل والإنباء بهِ، والعذراء مُنحت هذهِ الموهبة أكثر منهم جميعاً وكانت هي موضع نبوءات كثيرين منهم. ملكة الرسل: بسبب غيرتها الفائقة. الرسل نشروا رسالة يسوع، والعذراء شاركتهُ رسالتهِ، وهي ملكة الشهداء بسبب ما عانتهُ من آلام، وهي ملكة العذارى لأنها تفوقهن جميعهنَ بطهارتها، إنها النموذج الأكمل والأسمى للبتولية، ملكة جميع القديسين المعروفين والمجهولين، وجميع الذين يقدسون ذواتهم على الأرض والذين تعرف محنهم، وأفراحهم، وصمودهم. وهي ملكة الحب لإنها أم يسوع الملك ويسوع بطبيعتهِ الفائقة، وبرسالتهِ، لم يشأ أن يملك بقدرتهِ المطلقة كخالق، بل بالحب وحدهُ وفي الضعف لأنهُ الله، والله حُب. وقد اكتسب مُلكهُ بفضل أعظم دليل حب محتملاً الألم والموت البشري. وقد شاركتهُ مريم هذا الفتح المتواضع السخي الأليم. شاركتهُ فعل حبهِ المذهل، وخاضت أقسى تجربةٍ قد يُمنى بها قلب أُمٍ وفي لحظة فقدها ابنها تبنت البشر الخطأة الذين كانوا سبب موتهِ.

تقول القديسة (تريزا الطفل يسوع): “نعرف تمام المعرفة إن العذراء ملكة السماء والأرض، لكنها أم أكثر مما هي ملكة، ويجب ألا نقول إنها بسبب من امتيازاتها، تكسب مجد كافة القديسين كما تحجبُ الشمس النجوم عن إشراقها، ما أغرب هذا الأمر! أم تحجب مجد بنيها! أنا أخالف هذا التفكير كلياً، وأعتقد إن هذهِ الأم تُضفي الكثير على أبنائها على بهاء المختارين. جيد أن نُحدث عن الإمتيازات، وما خُصت بهِ العذراء أكثر مما بهِ خُصصنا، وقد حُظيت بأقل مما بهِ حظينا.

مريم العذراء هي الملكة القائمة عن يمين الملك، يوم انتقلت إلى السماء فتوّجت ملكة وسيدة وقيمةً على الجودة الإلهية، وصاحبة العرش الإلهي الذي يجلس عليهِ الخالق. مريم العذراء هي المرأة المزينة بأجود وأثمن ذهب الأرض، ذهب “أوفير” وذهب السماء التي لم ترهُ عين ولم تسمع بهِ أذن ولم يخطر على قلب بشر. هي الملكة الجميلة، التي اشتهى الملك حسنها وبهائها وطهارتها وبتوليتها وسناء نقاوتها. هي الملكة التي نسيت كل ما ورائها من أهل وأقارب، فأصبحت أم العالم وأم البشرية، لباسها من الذهب، ليدل على مركزها ومقامها، إنها “الملكة” بكل ما للكلمة من معنى. لقد نالت حظوة عند الله. ونحنُ نحتفلُ بتتويج العذراء مريم ملكة للكون، تدعونا أمنا مريم الملكة لأن نسمح لها بأن تدخل بيوتنا، قلوبنا لتكون ملكة عليها، لندع مريم تدخل بيوتنا وتعلمنا كيف نعيش إيماننا المسيحي اليوم. فهي بنتُ جنسنا الإنساني أُمنا وملكتنا ووضعت حياتها تحت تصرف الله، فنالت الخلاص بل القداسة، وملأها الله بالنعمة، وهي تدعونا اليوم قائلة: “سلموا حياتكم بيد الله ولا تخافوا، فهو معكم، فاعملوا بكل ما يقولهُ لكم.

لنصلِّ: أيتها الملكة العذراء مريم يا ملكة حياتنا، توجناكِ بإكليل إيماننا المنسوج من لآلئ محبتنا أنت ملكة لأنكِ وقبل إكرامنا لك فانت مَن اختارها الله أماً لابنه الوحيد أنتِ ملكة لأنك فرحت بما قيل لكِ قبلتِ مشيئة الرب بفرح غامر أنت التي استحضرت ذروة الشجاعة البشرية إذ قبلت الأمر بفرح ففي قبول مشيئة الله يكمن سرّ ديمومة ملوكية الإنسان أنتِ ملكة لكونكِ كنتِ أمينة لله أنت ملكة لكونكِ أنجبتِ للعالم ما كان ينتظره، أنجبتِ المخلص. آمين.