full screen background image

عيد الصعود

165

الأخت دميانة زيا

“أنا أمضي لأُعدَّ لكم مكاناً، وإن مضيتُ وأعددتُ لكم المكان آتي أيضاً وأخذكم إليَّ، حيث أكون أنا  تكونون أنتم أيضاً وتعلَمون الطريق”

                                                                                    (يوحنا 14 : 2 )                                                                              

     كلما احتفلنا نحن المسيحيين بحدث كالميلاد أو القيامة وغيرها من التذكارات نسميها “عيد” فما معنى كلمة عيد؟ نقدر أن نقول أن معنى كلمة عيد هي في الحقيقة موسم أو موعد للمقابلة بين الله وشعبه، وهي نفس الكلمة المستعملة في  سفر الخروج في الآية (22:25) :”وأنا أجتمع بكَ هناك”،  لذلك فكلمة عيد تحمل في العبرية معنى الفرح أو البهجة ولهذا صارت الأعياد عند اليهود محافل مقدسة.

     لهذا تحتفل الكنيسة بفرحٍ بعيد صعود الرب يسوع الى السماء وذلك في اليوم الأربعين لقيامته ممجَداً من بين الأموات كما جاء في أعمال الرسل في الإصحاح الأول، وأيضًا في إنجيل لوقا

(24 : 50) “وأخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم وفيما هو يباركهم  إنفرد عنهم وصعد إلى السماء”. صعد الرب يسوع المسيح إلى السماء ليؤكّد للجميع حقيقة أنه ليس ملاكاً ولانبياً بل هو الله ذاته “الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته، …. جلسَ فى يمين العظمة فى الأعالي” ( عب 1 : 3 )، “إذ ليس أحد صعد الى السماء إلا الذي نزل من السماء، إبن الإنسان الذى هو فى السماء” (يو13:3). فشكراً لكل نبوءة مكتوبة في الكتاب المقدس لأنها تُظهر عظمة مخطط الله الخلاصي للبشر.

     صحيحٌ ليس الرب يسوع هو الوحيد الذي صعد الى السماء، فهناك بعض من الأنبياء أيضاً صعدوا الى السماء مثل إيليا وأخنوخ ولكن الفرق بينهم وبين يسوع أنهُ صعد إلى السماء عينها بقوة لاهوته الذي لم يفارق ناسوته لحظة واحدة وليس كما ظن البعض والمتشكّكين في حقيقة الصعود وأوعزوها على أنها من نسج أو وحي الخيال، ولكن الذي يؤكد هذه الحقيقة هو الكتاب المقدس من خلال ما تنبأ به الأنبياء. فمثلاً نجد فى سفر الأمثال نبوءة عن صعود الرب يسوع  وأيضاً عن الثالوث فيقول: “مَن صَعِدَ الى السماوات و نَزِل؟ مَن جَمَعَ الريح في حفنتيه؟ مَن صرَّ المياه في ثوبٍ؟ من ثبَّت جميع أطراف الأرض؟ ما اسمه؟ و ما اسم ابنه إن عرفتَ؟ (أمثال  30 :4).

     يا لعظمتكَ يارب حتى بصعودك إلى السماء لم تكفَّ عن التفكير بالإنسان وأردتهٌ أن يرتقي معك الى السماء، فما كان من صعودك إلا لكي يصعد قلب الإنسان، و نظره يكون مُشخّصاً دائماً إلى  أعلى الأعالي. فكم جميلةٌ هذه الصلاة التي يرددها الشعب فى القداس الإلهي حسب الطقس الكلداني عندما يقول الكاهن: “إرفعوا أنظاركم وقلوبكم الى العُلى”، فيجاوب الشعب ويقول: “إليك يا إله إبراهيم وإسحق ويعقوب أيها الرب المُمَجَّد”. وبهذا الصعود يكون الرب يسوع قد هيّأَ المكان للجميع للتنعّم بالفرح السماوي معه. ولهذا نجد الرُسل بعد أن توارى عنهم يسوع رجعوا وهم مغمورين بفرحٍ عظيم، منتظرين مجيء الرب يسوع ثانيةً ليأخذنا معه الى السماء، كقول الترتيلة: “يا لشوقي للسماء، دارِ راحةً لنا، زاد شوقي للقاء حبيبي فادي جنسنا”.

وهكذا يارب إنك تعود الى الآب، لتأخذ مكانك في قلب الثالوث، وتَعهَد إلينا مهمة متابعة عملك. فعلى كل واحدٍ منا، أن يتجنّد لبناء ملكوتك. فأنت هنا لا لتسلمنا رسالةً وحسب، بل لتمنحنا السلطة التي نلتها من الآب. وتريدنا أن نُعلّم باسمك لجميع الشعوب من دون استثناء، بأنك أنت المسيح ابن الله وإنسانٌ حق، وأنك مُتَّ على الصليب حباً بالجنس البشري، وقمتَ ممجّداً من بين الأموات.

يقول القديس أغسطينوس عن صعود الرب يسوع:

     “صعد يسوع إلى السماء فلذا علينا ألا نقلق على الأرض. لتكن أفكارنا هناك وسوف يكون هناك سلام. إن أردنا أن نصعد ونكون بصحبته فيجب علينا أن نكفَّ عن الخطية وعن الشر”.

نحن نحتفل بعيد الصعود بكل طهارة، لذا نحن نصعد معه وتكون قلوبنا فوق لأن قيامة المسيح هي رجاؤنا وصعوده هو مجدنا.