full screen background image

الباعوثة

194

الأخت فيليب قرما

صوم الباعوثة هو زمن مميز في حياتنا الإيمانية, فيه نحتفل برحمة الهنا وغفرانه لأهل نينوى, ولنا أيضاً إذا تقدّمنا منه نادمين على خطايانا وتائبين. الهنا يحزن إذا أخطأنا, ولكنه يحزن أكثر إذا بقينا في أخطائنا. نحن نعتقد أنَّ توبة أهل نينوى هي التي جلبت لهم غفران الله, لكن هذا ليس صحيحاً. الله هو الذي بادر وأرسل يونان النبي قائلاً له: قل لأهل نينوى: إنَّ أخبار شرورهم صعدت إليّ. بمعنى آخر: إنَّ خطاياهم تجاوزت الحدود وعليهم أن يغيّروا حياتهم, لأنهم إن واصلوا الشرَّ والعنف الذي هم عليه الآن فإنهم سيهلكون. أرسل الله يونان إلى أهل نينوى برسالة الرحمة لأنه لا يريد أن يستمر الإنسان على خطاياه. رغب الله في عودة أهل نينوى لأنه إله رحوم, ورحمته تسبق غفرانه, وغفرانه يسبق توبتهم وتوبتنا, وتوبتنا جواب شكر لغفرانه.

الباعوثة (وأيضا الباعوث, وتجمع بواعيث وباعوثات) والكلمة كلدانية – آرامية تعني الطلب والتضرع. ويتم هذا التضرع من خلال صلوات توبوية تعبّر عن انكسار القلب والإرادة والرغبة الصادقة للعودة إلى الله .وتكون هذه الصلوات والتضرعات مصحوبة بالصيام كما تحدّده الكنيسة, مع أفعال رحمة ومحبة نحو القريب كالصدقة مثلا. وفي تاريخنا الكنسي المشرقي توجد ثلاث باعوثات تقع كلها في موسم متقارب أي في الفترة التي تلي عيد الميلاد الى ما قبل الصوم الكبير. اثنتان من هذه الباعوثات اندثرتا مع الزمن, والثالثة قائمة لاتزال نتمسك بها.

أولاً : باعوثة ما زيعا

تبدأ في الاثنين الذي يلي عيد الميلاد. تنسب إلى مار زيعا، ومدتها ثلاثة أيام. سبب نشوئها انتشار وباء قاتل في المناطق الشمالية لبلاد مابين النهرين وقد فتك بعدد كبير من الناس. وبفضل الصلوات التي رفعت خلال الباعوثة بشفاعة ما زيعا نجا المؤمنون من ذلك المرض. كان إخوتنا الاثوريون يلتزمون بهذه الباعوثة ويحجّون إلى الكنيسة المشيدة على اسم ما زيعا في جيلو, وهناك ينهون صومهم باحتفالات شعبية شائقة.

مار زيعا

في بداية القرن الرابع كان في فلسطين رجل فاضل يدعى شمعون، وزوجته تدعى هيلانة. وكانـا يحملان الكثير من المناقب والفضائل المسيحية. وقد رزقهما الرب ابنين ربياهما في خوف الله، ولما كبرا دخــلا في سلك الجندية. ثم سأل شمعون الرب ليرزقه ولداً ثالثاً، فاستجاب الله طلبه. ووضعت امرأته ابناً فسميـاه زيعا ويعني “الخوف” ويعرف بين العامية بـ “زيا”. وقد تفرغ شمعون لتربيتـه على البر والصلاح. ولما شبَّ وضعه في المدرســة، فأقبلَ على مَعين الكتب المقدسة ليستقي العلوم الإلهية. وقد عشق الفضيلة المسيحية، فشرع يميت جسده بالأصوام الشاقة والسهر الطويل. وأثَّر فيه قول الرب يسوع: “من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني”. فانطلق إلى أورشليم وهنــــاك ارتسم كاهناً. ثم رغب أن يرتقي في سلَّم الكمـال الرهباني، فترك أرض فلسطين وجاء إلى بلاد المشرق مع تلميذ له يدعى تابور. وسكنا في مغارة في جبل كارا، وموقعه شمال غرب مدينة عقرة في شمال العراق. وكان قوتهمـــا الجسدي حشائش الجبل، وأما الروحي فكان الكتاب المقدس. وكانا يصليـــان الليل بالنهار غارقين في بحر التأمل والمناجاة. ومكثا في تلك المغارة نحو أربعين سنة، فهزل جسماهما. وبوحي إلهي ترك مار زيعــا وتلميذه مغارته، وذهبا إلى بلد صبنا شمال الموصل، إلى قرية تدعى موردني وصنع فيها عجائب كثيرة. وكان الأسقف في تلك القرية يدعى مار شملي، كان قد التقى بمار زيعــا وتلميذه المذكور خلال زيارته للأراضي المقدسة، فرحب بهما وأحسن مثواهما. ولمـــا رأى ما هما عليه من الهزل الشديد، أشار عليهما أن يعدلا عن تلك السيرة الشاقة، فيتناولا قليلاً من الطعام لسد رمقهما. فأبى مار زيعا وقال له: “لا يليق أن نسمن جسمنا للدود والعث. ومن ثم انطلقــا إلى قرية أقديش. وكان فيها امرأة فقيرة لها ابنة وحيدة، وكان الروح النجس يعذبها منذ خمس سنين. ولما علمت بقدومـه أتت بابنتها إليه، فصلى عليها وأبرأها من مرضها. فشاع خبره في المنطقـــة، فأخذ الأهالي يقدمون إليه كل السقماء والمصابين بأمراض مختلفة فشفاهم قاطبة.
وانتقل من هناك إلى قرية كوماني جانب مدينة العمادية. وكان قد ظهر فيها وباء فتك بالكثير من أهلها الوثنيين، فقال لهم مار زيعا: ” إذا اعتقدتم بالإله الواحد، وبابنه يسوع المسيح، الذي صار إنساناً مثلنا، فخلصنــــا من عبودية الشيطان، أنقذكم من أنياب هذا الوباء “. فقالوا جميعاً: ” آمنا بإلهك “. فصلى مار زيعا قائلاً: ” يا ربنا يسوع المسيح الذي لا يخزي المتكلون عليه، اطلب إليك أن تترحم على هؤلاء المساكين البائسين، فتزيل عنهم هذه الضربة، لكي يؤمنوا بك فيرجعوا إليك تائبين” فسمع الله صلاته. ومنذ ذلك اليوم لم يفتك الوباء بأحد البتة.
ومن هناك صعد إلى قرية أريوش، وكان قد ظهر فيها ذاك الوباء. فلما رأى مار زيعا ما هم عليه سكان القرية من البؤس والجزع تحنن عليهم، وتضرع إلى الله طالباً منه أن يزيل عنهم تلك الضربة القاسية. فاستمع الله لصلاتــه فأنذهل الجميع. ومن هناك ذهب إلى بلد باز ليسكن فيه. ولكنــه لم يقم فيه لأن سكانه كانوا غليظي الجانب وسيء الأخلاق. فمضى من هناك مع تلميذه إلى جيلو، وأقامــا في لحف جبل دوراخ عائشين بقداسة عجيبة، دائبين الليل والنهار في الصلاة وممارسة الاماتات. وصنعا معجزات كثيرة. وهناك بنيا هيكلاً فاخراً. وكان الملك على تلك البلاد يدعى ارباق بن زوراق، فهو اعانهما كثيراً في بنيان ذلك الهيكل.
وبعد أن أقاما فيه سنتين وتسعة أشهر مرض تابور مرضاً عضالاً، وقضى نحبه في غرة أيلول، وكان عمره تسعين سنة وثلاثة أشهر. وتوفي مار زيعا في يوم الأربعـاء الأولى من شهر كانون الثاني، وعمره مائة واثنان وعشرون سنة، وقبر في الهيكل الذي بناه. وهو موجود في جيلو إلى اليوم. وفي هذا اليوم نقرأ من رسالة بولس الرسول الثانية إلى قورنتس (10: 4 – 18(، ومن خلالها يسأل الرسول بولس المؤمنين أن يختــاروا أي أسلوب يستخدمون، هل يستخدمون أساليب الله أم أساليب الناس. ويؤكد أن أسلحة الله القوية هي: الصلاة، الإيمان، الرجاء، المحبة، كلمة الله، الروح القدس، وجميعهـــا قادرة وفعالة. ووصايا بولس تحث على النهوض بالمسئولية والأمانة في العمل. فنحن نصارع في حياتنا المسيحية ضد قوات الشر الروحية التي يرأسها الشيطان، وهو محارب لئيم. ولكي نرد هجمـاته، يجب أن نعتمد على قوة الله ونستخدم كل قطعة سلاح، وأن نصمد راسخين في الله في وسط هذه الهجمات. وعندمـا نؤمن بالمسيح وننضم لكنيسته، تصبح الكائنات الشيطانية عدواً لنا، تحاول بكل وسيلة أن تبعدنا عن المسيح لتعود بنا للخطيئة. وتلزمنا قوة خارقة للطبيعة لنهزم الشيطان. وقد أعد الله هذه القوة بروحـــه القدوس الساكن فينا. وتحتفل كنيسة المشرق بتذكار مار زيعا في يوم الإثنين الأول من السنة الجديدة.

ثانياً : باعوثة البتولات أو العذارى

تقع في الاثنين الأول الذي يلي الدنح ويشار اليها إلى اليوم في كتبنا الطقسية ( في الإنجيل الطقسي أو كتاب الرسائل…) لكن لم يعد الناس يلتزمون بالقطاعة أي بالصوم كأسلافهم فقد فسحتها لهم الكنيسة ودمجتها مع الباعوثة الثالثة التي سنذكرها.

لقد كان صوم البتولات مشهوراً حتى في الأوساط الإسلامية فذكرها أكثر من مؤرخ. يقول الشابشتي  (المتوفى سنة  388 هـ) في مجرى كلامه عن الأديرة في بغداد: “وببغداد أيضا دير يعرف بدير العذارى, في قطيعة النصارى, على نهر الدجاج. وسمي بذلك لأنَّ صوم ثلاثة أيام قبل الصوم الكبير يسمى صوم العذارى, فإذا انقضى الصوم جاءوا إلى هذا الدير فتعبدوا وتقربوا. وهو دير حسن طيب “. (كتاب الديارات, تحقيق كوركيس عواد, ص 108). وقوله تقرَّبوا يعني اشتركوا في القداس وتناولوا القربان المقدس.

وأما البيروني (المتوفى سنة 440 هـ ) فيكتب: “وصوم العذارى فإنه يوم الاثنين الذي يتلو الدنح, وهو ثلاثة أيام وفطره يوم الخميس، ويستعمله العباديين وعرب النصارى. وذكروا أن السبب في ذلك أنَّ ملك الحيرة قبل الإسلام اختار من أبكار نساء العباديين عدة نسوة ليتخذهن, فصمن ثلاثة أيام بالوصال فمات ذلك الملك في آخرها ولم يمسسهن. وقيل بل صامته العذارى النصرانيات من العرب شكراً لله حيث انتصرت العرب من العجم يوم ذي قار فنصروا عليهم ولا يظفر الفرس بالعذراء العنقفير بنت النعمان. وربما اجتمع هذا الصوم مع صوم نينوى… ” (كتاب الآثار الباقية, ص 314).

ويذكر هذا الصوم أبو الفداء (ت732 هـ ) في كتابه “المختصر في أخبار البشر (1: 92) وياقوت الحموي (ت 626هـ )في كتاب “معجم البلدان”: يقول هؤلاء بأنه كان هناك دير للعذارى, وأن احد المسؤولين من ولاة الأمور أمر بحمل العذارى إليه ليختار منهن من يشاء ويضمهنَّ إلى حريمه, فلما بلغ الخبر إلى ساكنات الدير أمر الأسقف أن يتضرع الشعب كله من اجل نجاة الرواهب, فصلّوا وصاموا وتضرّعوا, وفي اليوم الثالث بلغهم أنَّ ذلك الأمير قد قضى نحبه فتخلصن من المصيبة.

 أين جرى ذلك؟

  1. يقول ياقوت الحموي: إنَّ ذلك جرى في دير العذارى الواقع بين أرض الموصل وباجرمي، ويؤكّد بأنّ الصوم لا يزال يعمل به إلى الآن أي إلى عهده.
  2. ويقول كتاب الصلوات (الحوذرا): إنها حدثت في الحيرة على عهد أسقفها يوحنا الأزرق وذلك في أواخر القرن السابع على عهد الجاثليق حنانيشوع المعروف بالأعرج.
  3. أما ابن العبري، فيتكلم عن هذا الصوم وأنه حدث على عهد عبد الملك بن مروان. (التاريخ الكنسي).
  4. والبعض يقول إلى انه أقدم عهداً وقد جرى على عهد كسرى ابرويز.
  5. أما أبو ريحان البيروني فيشير إلى حدوثه بالحيرة وأن أحد ملوكها في العهد الوثني اختار من أبكار نساء العباديين عدداً منهنَّ. فصمن ثلاث ليال بالوصال (أي متصلة) فمات الملك بآخرها ولم يمسسهن.
  6. ويذكر البيروني رأياً آخر نقدر أن نسميه “سبب وطني”. إذ يقول “صامته العذارى النصرانيات من العرب شكراً لله حيث انتصرت العرب من العجم يوم ذي قار فنصروا عليهم, ولم يظفر الفرس بالعذراء العنقفير بنت النعمان… “

اعتماداً على ما ذكرناه فإنَّ هذا الصوم يرجع إلى القرن السابع أو أنه تجدد العمل به في ذلك العهد.

ثالثا: باعوثة نينوى

إنَّ صوم نينوى هو الأكثر شهرة ويقع بعد الأحد الخامس من الدنح أو ثلاثة أسابيع قبل الصوم الكبير، ولمدة ثلاثة أيام من الاثنين إلى نهاية يوم الأربعاء، ويلتزم به الكلدان كبارهم وصغارهم إذ ينقطعون إلى أعمال التوبة وتغصّ بهم الكنائس ويمتنعون عن تناول الطعام من المساء إلى ظهر اليوم التالي ويكتفون بالبقول والخضروات فلا يتناولون اللحم ولا الدهون, وبعضهم، خاصة، الشابات يطوون الباعوثة صياماً أي ثلاثة أيام بلياليها من مساء الأحد إلى مساء الأربعاء او صباح الخميس. تسمى باعوثة نينوى لأنها اقتداء بما فعل أهل نينوى بعد كرازة يونان كما ورد في سفر يونان في العهد القديم، فكما استجاب الله لأهالي نينوى وغفر لهم هكذا يغفر للمؤمنين في كل حين عندما يتوبون. صوم الباعوثة قد يكون رمزاً إلى النبي يونان 825 ق.م. حينما أرسله الله إلى أهل نينوى وحاول الهرب خوفاً منهم ثم ألقي في الماء وابتلعه الحوت لمدة ثلاثة أيام فصلَّى إلى الله من جوف الحوت واستجاب الله له وخلَّصه فذهب بعدها إلى أهل نينوى يحثُّهم على التوبة عن الخطايا. لهذا يلتزم أهل نينوى أكثر من غيرهم بهذا الصوم حتى أنَّ الكثير منهم ينقطع تماماً عن الطعام خلال هذا الصوم.

أما سبب نشوء هذا الصوم فيرجع على قول احد المؤرخين إلى انتشار وباء في شمال بلادنا قضى على نسبة عالية من شعب الله, فنقرأ عند المؤرخ عمرو بن متى (أخبار فطاركة: ص43) اذ يقول في مجرى كلامه الجاثليق حزقيال (570 -581) ما يلي: وفي أيامه بطل الموت الذي كان حدوثه في أيام يوسف المكنّى بالجاثليق من الطاعون المسمى الشرعوطا وعلامته كانت أن يظهر في كف الإنسان ثلاث نقط فقط سود وفي حال ما يبصرها يموت حتى خلت مدن كثيرة وقرى كثيرة وبقي الذهب والفضة والأمتعة التي كان بها في تلك الأيام… وبسبب ارتفاع الموت المذكور كان أنَّ مطران باجرمي وأسقف نينوى اتفق رأيهما على عمل الباعوثة وعرّفوا هذا الأب بذلك فأعجبه وكتب إلى سائر الأمصار المشرقية أن يكونون بأسرهم متفقين على رأي واحد ونية واحدة ويصوموا ثلاثة أيام أولها يوم الاثنين قبل الصوم الكبير بعشرين يوما ويطلبوا من الله أن يرحمهم ويقبل سؤلهم مثلما قبل من أهل نينوى ويرفع الموت عن خلقه وأن يكون صيام هذه الثلاثة أيام مؤبداً طول الزمان. فلمّا عملوا ذلك قَبِلَ الله منهم ورفع الموت, ومن ذلك اليوم سُمِّيَت هذه الباعوثة صوم نينوى لكونهم قالوا: نعمل مثل أهل نينوى وتخلَّصوا منه برفع السخط عنهم… “

السبب الأول لهذا الصيام المعروف بالباعوثا، هو توبة أهل نينوى عاصمة مملكة الآشوريين وغفران الله لهم إثر كرازة يونان (وهو اسم نينوى مقلوباً ويعني الحوت) كما جاء في سفر يونان. والسبب الثاني هو تفشّي وباء الطاعون في القرن السادس في المحافظات الشمالية: نينوى وحدياب وكركوك والذي أودى بحياة كثيرين.، فدعا رعاة الكنيسة الناس إلى الصيام والتوبة والصلاة مدة ثلاثة أيام اقتداءً بأهل نينوى ليكفَّ عنهم الطاعون، والسبب الثالث يعود إلى خلاص عذارى دير بقرب نينوى من أمير المنطقة الوثني الذي أرسل جنده ليحملوهنّ إليه فيختار من يشاء. ولما وصلهنّ النبأ قضينَ ليلتهنّ بالصلاة والصوم، فكان أن مات الأمير في الليلة نفسها.

في كل الأحوال هناك مصيبة مخيفة ومؤلمة وخطيرة تخلَّصَ منها المؤمنون بفضل التضرع والاستغفار أي الباعوث, أكانت المصيبة أدبية (شهوة أبكار المسيحيين) أم جسدية (الطاعون وما أشبه).

ونظراً لأهمية هذه الأحداث: غفران الله للآباء والأجداد وخلاصهم وتذكير الأبناء بلزوم التوبة والإحتراس استحسن البطريرك حزقيال (570 – 581) هذه الممارسة التقوية فقرّر أن يصوم المؤمنون كل عام ثلاثة أيام، ابتداءً من الإثنين السابق للصوم الكبير بثلاثة أسابيع.

ملاحظة رعوية: إنّ كل البواعيث وضعتها الكنيسة في الفترة ما بين الميلاد والصوم الكبير وفي ذلك حكمة ورحمة لأمرين:

أولا: إنّ الناس يكونون في هذا الموسم شبه بطّالين, أي في سبات العمل, اذ تتوقف أعمال الزراعة والبناء وما إلى ذلك.

ثانيا: إنَّ المناخ بارد, والنهار قصير فلا يصيب المؤمنين ضرر ولا إرهاق حتى لو صاموا ثلاثة أيام بلياليها, فلو كان الصوم في تموز أو آب كما يحدث لإخوتنا المسلمين في رمضان الذي يزحف سنوياً لكان من الصعب أن يطبِّق الناس الأيام الثلاثة.

الرتبة الطقسية: تتكون الرتبة الطقسية كما نمارسها اليوم من قراءات ومداريش وبركات ختامية تستغرق

ساعات طويلة ولها الحان شجية مؤثرة, لذا كان المؤمنون يحضرون يومياً لأنها رتبة توبوية بليغة حقاً, وألحانها تترك في النفوس تأثيراً عميقاً حتى لدى الذين لا يفهمون معانيها.

تعلّمنا هذه الصلوات ما يلي:

  1. انَّ كل أهل نينوى الوثنيين قد تابوا فكم بالأحرى على المؤمنين المسيحيين أن يفعلوا ذلك.
  2. كانت نينوى رمزاً للعنف والحرب لكنَّها عندما سمعت نداء الرب تابَت. فكم علينا أن نحيا أعمال المحبة والتوبة.
  3. على المؤمنين ان يسلكوا كأبناء الله ويبقوا أمينين لهذه البنوّة من خلال تصرفاتهم وحياتهم.
  4. إنَّ يونان يتمرد ثم يتراجع ويتوب وكذلك نينوى فهما نموذجان للتوبة.

فكرة أخرى تقدمها الصلاة: الابن الشاطر الذي ورد في الإنجيل المقدس، نموذج رائع وعميق للعودة إلى الله أبينا, وكلٌّ منا هو ذاك الابن الذي ترك بيت أبيه في ساعة ضعف أو تمرد وضاع في متاهات الحياة. فالباعوثة هي فرصة لعودته وتوبته ومصالحته مع الأب ليستردَّ النعمة, وهي فرصة للانتقال من حالة الشر إلى النعمة, ومن الفوضى إلى التوازن وسلام النفس, ومن التيه إلى الأحضان الوالدية الدافئة.

اليوم , نحن مدعوون إلى التوبة والاهتداء إلى الله. نصوم, ولكن الأهم هو أن تتغيّر حياتنا, ونحارب كبرياءنا ونعيش بتواضع صادق يشبه تواضع الله, وأن نطهِّر أفكارنا وننقّي قلوبنا من الأفكار السيئة, فنرى صورة الله في وجه كل إنسان, ونسيطر على لساننا فلا ينطق إلا بالصدق وبالكلام الطّيب عن الناس. نحن مدعون لنزرع في بيوتنا تعاليم ربنا يسوع المسيح، ونفرح عندما نلقي بذار حب الله والقريب في نفوس أبنائنا، بمثلنا الصالح الذي هو أفضل درس يتعلمونه في الحياة. الغفران والتسامح الذي نعيشه في البيت سيكون حجر أساس تربية صحيحة لهم. صلاتنا اليومية وقراءتنا للكتاب المقدس وتشجيعنا لهم ليكونوا بالقرب من الكنيسة وأنشطتها سيساعدهم في بناء شخصية مسيحية تُفرح قلب الله لأنه سيرى أنّ العائلة، “الكنيسة المصغّرة” بدأت تنتعش بحبه، وتعيش هذه المحبة وتتجاوز الصعوبات نحو مستقبل يحمل بركات الله الوفيرة. لنعمل كي تكون بيوتنا مثل بيت يوسف ومريم في الناصرة، فمن هذا البيت كان خلاص العالم وخلاصنا، وذلك باعتنائهم بيسوع ومرافقته، وبحضوره معهم في هيكل الله، وفي بحثهم عنه إذا ضاع وغاب عن أنظارهم. فلنطلب عون الله أبينا في صلاتنا إليه كي يقوي ايماننا ويجعلنا متعلقين به دوماً.

الباعوثة: زمن التوبة, وهذا يعني زمن الأعمال الصالحة التي تفرح أخانا الإنسان وتفرح قلب الله: “كل مرة عملتم هذا لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار, فلي عملتموه” ! (25:4). إنّ صومنا وصلاتنا يكتملان بالأعمال الحسنة التي نقوم بها والتي تنبع من قلب نقي يرى في كل إنسان صورة الله المحب. فالصوم والصلاة والصدقة، هي هدية حب نقدمها لله، ويريدنا أن نقدمها أن نخصصها له من دون ضجيج ولا ابتغاء مجد الناس. فإذا أردنا أن نكرم الله من خلال مساعدتنا للفقير والمحتاج، فليكن الأمر خفيةً، من دون تظاهر وافتخار. من يمارس الصدقة يملأ العالم طيبةً ومحبة، أي يملأه من الله، وهكذا تتواصل الحياة التي يريدها الله للإنسان.

يُحكى عن فتى فقيرٍ كان يعمل مساءً ليتمكّن من تسديد أقساط الدراسة. حدث يوماً أنه دقَ الباب على بيتٍ يطلب كأس ماء. فتحت له المرأة الباب ورأت أنه طفلٌ ضعيفُ البُنية فأعطتهُ كوباً من الحليب, فشكرها وغادرها فرحاً. بعد سنواتٍ طويلة، مرضت المرأة وتطلَّبَ الأمرُ نقلها إلى مستشفى مُتخصص, يعمل فيه طبيبٌ ماهر. حالما رآها عرفها, فراح يعمل جاهداً على إنقاذها, ونجح في ذلك. سأل أهلُ المريضة عن فاتورة الحساب في المشفى, فإذا هي عالية التكاليف, ولكنهم استغربوا عندما وجدوا على ظهر الورقة كتابة تقول: كل الحسابِ مدفوع بكوبٍ من الحليب”, وكانت الكتابة للطبيب المُختص. فالصدقة عملٌ يخاطبُ قلبَ الله الذي لا ينسى كوب ماء يُقدَّم لفقرائه.

إذن صومنا لا يقتصر على الإمتناع عن الطعام فقط، بل يكتمل بالصلاة والصدقة والتوبة الصادقة وتغيير الحياة نحو الأكمل، عاملين على تزيين حياتنا بأعمال الخير التي تُفرح قلب الله، “فنكسر للجائع خبزنا، ونُدخِل البائسين بيوتنا، ونكسو العريان ثوباً” (إش 58: 7). فالصوم يعني العطاء، عطاء الحياة كلها لله وللقريب. وهكذا نكون مستعدين للوقوف أمام ربنا في كل لحظة, بوجوه مشرقة, وأيدينا مملوءة من الأعمال الصالحة, أعمال الخير والرحمة, على مثال أبينا السماوي. وهكذا تكون باعوثتنا صادقة لأنها باعوثة مسيحيين تائبين. فلنطلب من رب الباعوثة أن يبارك أيامنا بتوبة صادقة, ترافقها أعمال صالحة ومواقف ايجابية.

                                                                           الأخت فيليب قرما

                                                                            من بنات مريم الكلدانيات